خلال مؤتمر صحفي بالدوحة .. حمد بن جاسم: أمريكا حليفة لقطر لكننا لا نتفق معها في جميع الأمور
كشف حمد بن جاسم بن جبر آل ثاني، عن وجود تباين في وجهات النظر بين قطر والولايات المتحدة، رغم أن أمريكا تُعد حليفا استراتيجيا لقطر
الدوحة- 18 يوليو/تموز 1994
كشف وزير الخارجية القطري حمد بن جاسم بن جبر آل ثاني، الاثنين 18 يوليو/تموز 1994، عن وجود تباين في وجهات النظر بين قطر والولايات المتحدة، خصوصا بشأن علاقات بلاده مع العراق وإيران، معتبرا أن هذا الاختلاف طبيعي لأن قطر أدرى بشؤونها وتدرك ما يخدم مصالحها.
ورغم ذلك، شدد حمد بن جاسم على أن أمريكا تُعد حليفا استراتيجيا لقطر، مشيرا إلى أن العلاقة بين البلدين تقوم على تحالف وتفاهم قويين.
وبينما تتطلع الولايات المتحدة إلى حشد دعم واسع من دول المنطقة لتقليص نفوذ إيران وعزل العراق بعد حرب الخليج الثانية (1990-1991)، ترى قطر أن من مصلحتها الاحتفاظ بعلاقات جيدة مع جارتيها وتجنب التصعيد معهما.
في هذا السياق، قال حمد بن جاسم خلال مؤتمر صحفي بالعاصمة القطرية الدوحة حضره عشرات الصحفيين من المنطقة: “نحن نقدر وجهة نظر الإخوة في أمريكا، وبالنسبة إلينا، هذا التباين في وجهات النظر طبيعي وقد يحدث مع أي دولة”.
وأضاف: “أمريكا حليفة لقطر، وهناك روابط سياسية قوية تجمع بين البلدين، لكن ذلك لا يعني أننا نتفق في جميع الأمور.”
وتابع موضحا: “قد نختلف في بعض القضايا الإقليمية لأننا نرى أننا أدرى بشؤوننا، ومن هذا المنطلق نعتقد أنه لا يمكننا أن نبدي العداء لأي دولة مجاورة دون سبب واضح”.
وأكد: “هناك تباين في وجهات النظر بين قطر وأمريكا، لكن هناك أيضا تفاهم قوي بيننا.”
الموقف من العراق
وعن موقف قطر من العراق، أوضح حمد بن جاسم: “نحن لا نطلب أكثر من تطبيق قرارات مجلس الأمن، وليس من حقنا أن نطلب ما يتجاوز الشرعية الدولية”، معتبرا أن هذا النهج “قد يحل جزءًا من الإشكالات الأمريكية”.
واستدرك قائلا: “لكننا لا نريد أن يُعاقب الشعب العراقي بسبب قرارات مجلس الأمن، وهناك حالات إنسانية نتحدث عنها ويجب النظر إليها بجدية.”
وفي تعليقه على دعوة الرئيس العراقي صدام حسين للمصالحة مع دول الجوار، التي أُطلقت في وقت سابق من الشهر الجاري، قال: “نأمل أن تكون هذه الدعوة بداية لعلاقة جديدة بين دول مجلس التعاون وبين الإخوان في العراق”.
وأضاف: “نحن دائما نحاول أن نفتح صفحة جديدة في علاقاتنا مع الدول التي ليست عربية، فكيف إذا كانت هناك دولة عربية ملتزمة بقرارات الشرعية الدولية، ويكون لنا ما لها وعلينا ما عليها.”
العلاقات مع إيران
وبالنسبة للعلاقات مع إيران، لفت حمد بن جاسم إلى أن إيران دولة جارة كبيرة ذات وزن وثقل إقليمي، مؤكدا أن قطر لا يمكنها تبني سياسات دول أخرى تجاهها.
وقال: “من هذا المنطلق، نسعى لأن تكون لنا علاقات ودية مع إيران، خاصة أننا لم نر منها أي عداء تجاهنا أو تصرفات تدل على وجود نية سيئة.”
وفي حديثه عن مشروع “الأنبوب الأخضر”، الذي يهدف إلى جر المياه من إيران إلى قطر، أوضح الوزير أن “دراسات الجدوى مستمرة، ومن المقرر أن تنتهي نهاية السنة. ونحن ما زلنا بنفس الحماسة لتنفيذ هذا المشروع.”
وفيما يتعلق بالنزاع بين إيران والإمارات حول الجزر الثلاث (طنب الكبرى، وطنب الصغرى، وأبو موسى)، شدد حمد بن جاسم على أن قطر ترى أن “الحل الأمثل لهذا النزاع هو الطريقة السلمية أو اللجوء إلى محكمة العدل الدولية.”
وخلص إلى القول: “نعم، علاقاتنا مع الولايات المتحدة قوية، لكن لدينا وجهة نظرنا المستقلة بشأن موقفنا من العراق وإيران.”
سياسة متوازنة لا متناقضة
وردا على سؤال حول ما إذا كانت السياسة الخارجية القطرية تحمل تناقضات بسبب تعاملها المتوازن مع إيران والعراق والولايات المتحدة رغم الخلافات بين هذه الدول، نفى حمد بن جاسم وجود أي تناقضات في سياسة بلاده.
وأكد أن قطر تتبنى “سياسة واضحة وصريحة تقوم على عدم معاداة أي طرف”.
وقال الوزير: “لدينا علاقات جيدة مع كل الدول التي ذكرتموها، لكنها تختلف في ميزاننا نحن من دولة لأخرى، ومع ذلك تبقى بشكل عام علاقات جيدة.”
وأضاف موضحا: “أعتقد أن هذا ليس تناقضا، بل هو رؤية جديدة لدولة صغيرة مثل قطر، تسعى إلى إقامة علاقات طيبة مع الجميع.”
وأشار إلى أن التناقضات الحقيقية ليست في سياسة قطر، بل في الأزمات التي مرت بها علاقات دول مثل العراق وإيران، أو إيران وأمريكا.
وتابع مستدركا: “لكن إذا نظرت إلى موقف قطر، ستجد أنه ليس متناقضًا، بل متسق ومبني على مد جسور الصداقة مع جميع الأطراف؛ لأننا نؤمن بضرورة إقامة علاقات طيبة مع الجميع.”
وأوضح: “نحن لسنا في زمن التكتلات لننحاز إلى جهة ضد أخرى؛ فالحرب الباردة انتهت ولم يعد هناك معسكران في العالم. هناك نظام جديد تمثل في قرارات الأمم المتحدة في العديد من الأزمات العالمية التي طرأت في أفريقيا، أو آسيا، أو أوروبا”.
سياسات قطر ودول الخليج
في هذا الصدد، تطرق حمد بن جاسم إلى التمايز في السياسات الخارجية القطرية عن مواقف شركاء بلاده في مجلس التعاون الخليجي.
وأكد أن هذه السياسات تستند إلى المبادئ التي تحكم رؤية قطر لعلاقاتها الدولية، وليس إلى أي عداء للسعودية أو لأي دولة خليجية أخرى.
وموضحا أسباب هذا التمايز في المواقف القطرية تجاه القضايا الإقليمية، قال الوزير: “العالم يتغير كثيرًا، والأمور تسير بسرعة كبيرة، وعلى هذا الأساس كان لا بد لنا من أن نقيم سياستنا السابقة، كما سنقوم في المستقبل بتقييم سياستنا الحالية، وإذا كان هناك خطأ سنقوم بتقويمه.”
وأضاف: “لا شك أن هذا التغيير في سياساتنا جاء نتيجة التغيرات الدولية الكبيرة التي شهدناها، مثل ظهور تكتلات جديدة، والانقسامات التي حصلت في دول عديدة. لقد تغيرت أشياء كثيرة منذ نهاية الحرب الباردة، ونحن نحاول دائمًا أن نقيم هذه الأوضاع ونستفيد من تجاربنا السابقة ومن بعض الشواهد التي نرى أنها قد تكون في الاتجاه الصحيح.”
وأشار إلى أن قطر تعتمد في صياغة سياساتها الخارجية على قراءة دقيقة للتحولات الدولية والإقليمية، مع الأخذ بعين الاعتبار المصالح الوطنية والواقع المتغير بسرعة.
واعتبر أن “الاستفادة من الماضي، ومراجعة المواقف باستمرار، هو ما يجعلنا قادرين على اتخاذ قرارات تصب في مصلحة شعبنا وتحافظ على علاقاتنا المتوازنة مع الجميع.”
الموقف من تطورات اليمن
وفي توضيحه لموقف قطر من التطورات في اليمن، أكد حمد بن جاسم أن بلاده أيدت قرارات مجلس الأمن التي دعت إلى احترام وحدة اليمن، مشيرا إلى أن الوحدة اليمنية تمت بطرق ديمقراطية، وهو ما يستدعي احترام إرادة الشعب اليمني.
وقال: “يجب أن نحترم قرار الشعب اليمني في هذا المجال، وكذلك يجب ألا نتدخل في الشؤون الداخلية للدول؛ لأننا لا نقبل أن يتدخل أحد في شؤوننا.”
وأضاف أن مجلس الأمن والدول الخمس الكبرى رفضت إعلان الانفصال الذي أصدره الحزب الاشتراكي اليمني، وأكدت دائمًا على ضرورة الحفاظ على وحدة اليمن كعامل استقرار أساسي في المنطقة.
وفي 21 مايو/أيار 1994، أعلن الحزب الاشتراكي اليمني انفصال جنوب اليمن عن شماله، وقيام جمهورية اليمن الديمقراطية كدولة مستقلة.
هذا الإعلان جاء نتيجة تصاعد الخلافات السياسية والعسكرية بين قيادات الشمال والجنوب منذ تحقيق الوحدة اليمنية في عام 1990، التي دمجت بين الجمهورية العربية اليمنية (الشمال) وجمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية (الجنوب) لتشكيل دولة يمنية موحدة.
وفيما أصدر مجلس الأمن في يونيو/حزيران القرارين 924 و931، اللذين أكدا على وحدة اليمن وطالبا كافة الأطراف بوقف إطلاق النار والعودة للحوار، تباينت مواقف دول الخليج بشأن الأزمة.
ففي اجتماع وزاري لمجلس التعاون الخليجي انعقد بمدينة أبها السعودية في 6 يونيو/حزيران، دعم بيان ختامي ما اعتبره “حق” الجنوبيين في تقرير مصيرهم، بينما تحفظت قطر على هذا التوجه؛ حيث رأى رئيس وفدها إلى الاجتماع عبد الرحمن العطية أن موقف المجلس يشكل تصعيدا للأوضاع ولا يخدم استقرار اليمن.
وحول هذا التحفظ القطري، وما إذا كان ذلك مقدمة لمواقف مماثلة تجاه العراق، أوضح حمد بن جاسم أن هناك فرقا جوهريا بين القضيتين. وقال: “بالنسبة إلى العراق، هناك قرارات من مجلس الأمن تحترمها قطر بشكل كامل وتعمل على تنفيذها.”
أما بشأن اليمن، فقد أكد أن رؤية قطر كانت واضحة منذ البداية، وهي “محاولة حل الخلاف بين الأشقاء دون التدخل في شؤونهم الداخلية”.
وقال: “نحن لا نقرر انفصال اليمن، فهذا أمر يقرره اليمنيون عبر المؤسسات الشرعية والدستورية، لأن الوحدة أيضا كانت بإرادة الشعب اليمني.”
وأوضح أن قطر تبنت هذا النهج احتراما لمبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول، ولتفادي فتح ملفات مشابهة في دول أخرى بالوطن العربي.
قاعدة الإجماع الخليجي
وردا على سؤال بشأن ما إذا كان التحفظ القطري خلال اجتماع أبها قد يشكل كسرا لقاعدة الإجماع داخل مجلس التعاون الخليجي، أكد حمد بن جاسم أن “اختلاف وجهات النظر ظاهرة صحية”، مشددا على أن قطر تحترم تحفظ أي دولة في المجلس إذا كان لها رأي مغاير.
وأوضح قائلا: “دول مجلس التعاون كانت دائما تتبنى القرارات بالإجماع، لكننا في قطر لدينا أحيانا أفكار أو سياسات نطرحها، وأعتقد أن الوقت أظهر جدواها”.
وأضاف: “أحيانا نجد أنه يجب أن نسلك مسارا معينا، وإذا لم نجد موافقة من الإخوان في المجلس، فنضطر إلى التحفظ.”
وأشار إلى أن بلاده لا تلجأ للتحفظ لمجرد المعارضة، موضحا: “لا يمكن أن نخدع أنفسنا وشعوبنا ونقول إننا متفقون بينما نحن لسنا كذلك. إذا اتفقنا يجب أن نعلن أننا اتفقنا، وإذا اختلفنا يجب أن نعلن أننا اختلفنا. لقد تغيرت ثقافة الشعوب وأفكارها، ويجب أن نصارحها بما يجري.”
وعن رأيه في ما إذا كان تحفظ قطر باجتماع أبها يبرز الحاجة إلى تعديل آلية اتخاذ القرارات داخل المجلس، خاصة فيما يتعلق بمبدأ الإجماع الذي يتطلب موافقة جميع الأعضاء ليصبح القرار ملزما، قال حمد بن جاسم: “إذا كان هذا التعديل من صالح دول مجلس التعاون، فنحن نؤيده، لكننا لم نفكر في طرح هذا الموضوع إلى الآن.”
وفي هذا الصدد حرص بن جاسم على التأكيد على أن قطر “لا تعتمد في سياستها على الكيد أو ادعاء الذكاء”.
وقال: “نحن نجتهد خاصة في القضايا العربية والخليجية، لصالح قطر ولصالح دول المنطقة ودول مجلس التعاون.”
وأضاف: “نحن حريصون على مجلس التعاون مثل أي دولة أخرى، لكن سياستنا التي تقوم على الصراحة هي نهج نعتقد أنه يجب أن يُعتمد بسرعة؛ لأن العالم يتغير بوتيرة سريعة.”
وتابع: “نحن نجتهد وقد نصيب أو نخطئ، لكننا – كما أعتقد – لا نستخدم أسلوب النكاية أو الكيد في أي أمر.”
العلاقات مع مصر
وحول العلاقات مع مصر، أكد حمد بن جاسم أنها علاقات “وثيقة وقديمة”، مشيرا إلى حرص بلاده على تعزيز هذه الروابط التاريخية.
وقال: “نحن دائما في دولة قطر نحرص على هذه العلاقة التي تربطنا بالإخوان في مصر، ولا أعتقد أن هناك أزمة، بل هناك اختلاف في الرأي، وهذا لا يفسد للود قضية”.
وهناك تباين في الرأي بين قطر ومصر بشأن عدة قضايا إقليمية، خصوصا حول بعض المواقف السياسية تجاه الدول العربية، منها العراق والسودان.
ففيما يتعلق بالعراق، تلتزم مصر بمواقف التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة لعزل النظام العراقي بعد حرب الخليج الثانية، بينما تنتهج قطر سياسة أكثر توازنا، وتدعم الحوار الإقليمي لحل الأزمة العراقية.
فيما تشعر مصر بالقلق من دعم قطر للحكومة السودانية برئاسة عمر البشير، التي كانت في حالة توتر مع القاهرة بسبب النزاع حول مياه النيل، ودعم بعض الجماعات الإسلامية.
العلاقات مع السعودية
وبشأن العلاقة مع السعودية، وصفها حمد بن جاسم بأنها “وثيقة وأزلية وقديمة”، مشيرا إلى الروابط القوية بين قيادتي البلدين.
وقال: “أستطيع أن أؤكد أن هذه العلاقة دائما في هذا الخط والمسار”.
وأضاف: “نحن لا نختلف مع الإخوان في المملكة من أجل الاختلاف أو بدافع النكاية؛ لا نعتقد أن هذه سياسة قطر، وليست من مبادئها.”
وأوضح أن أي تباين في وجهات النظر بين البلدين ينبع من الحرص على المصلحة المشتركة، قائلا: “إذا كنا اختلفنا في وجهات النظر في أمر ما، فإننا نعتقد أنه لمصلحتنا ومصلحة الإخوان في السعودية”.
وأعرب عن أمله في تعزيز الثقة المتبادلة بين البلدين، قائلا: “نحن في قطر حريصون على علاقتنا مع المملكة وعلى تقوية روابطنا مع جميع إخواننا في دول مجلس التعاون.”
وعن تطورات مسألة ترسيم الحدود بين البلدين، أوضح الوزير القطري أن “هذا الموضوع إلى الآن عالق”. وأضاف: “هناك لجنة تم الاتفاق على أن تقوم بوضع الأسس التي يجب أن يقوم عليها ترسيم الحدود، ولكن الموضوع مجمد في الوقت الحاضر.”
ورغم توقيع اتفاقية عام 1992 لمعالجة القضايا الحدودية، إلا أن الخلافات ظلت قائمة بين قطر والسعودية بشأن مسار الحدود البرية في منطقتي خُفوس والعُديد، إلى جانب بعض التباينات حول ترسيم الحدود البحرية ومناطق الموارد المشتركة.
وفيما يتعلق بفكرة إنشاء قناة بحرية بين خور العديد وخليج سلوى عبر الأراضي السعودية، والتي أُثيرت مؤخرًا في وسائل الإعلام، أشار حمد بن جاسم إلى موقف قطر من المشروع قائلا: “سنقيم جسرًا للصداقة فوق هذه القناة”، في إشارة إلى رغبة الدوحة في الحفاظ على علاقات ودية مع جيرانها، رغم المخاوف التي قد تنجم عن مثل هذه المشاريع.
وأثارت فكرة القناة، التي لم تطرح رسميًا من قبل السعودية، تساؤلات حول تأثيرها المحتمل على أمن ومصالح قطر الوطنية، خصوصًا أنها قد تعزل قطر جغرافيا عن السعودية وتحولها إلى جزيرة.
العلاقات مع الأردن
وحول العلاقات القطرية الأردنية، قال حمد بن جاسم إنها “علاقات ممتازة، ومبنية على أساس واضح وصلب”، مشيرا إلى حرص قطر على تعزيز التعاون مع الأردن، خصوصًا في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة التي يواجهها.
وقال: “نحن نعتقد أن الأردن يمر بظروف اقتصادية صعبة، ومن واجبنا كدول عربية أن نحاول الوقوف معه في مشاكله الحالية لتخفيفها؛ لأن الأردن جزء من العالم العربي وجزء من الشعب العربي.”
وفي إشارة إلى التوترات السابقة التي شابت العلاقات خلال أزمة الاحتلال العراقي للكويت، أوضح الوزير: “إذا حصل اختلاف في وجهات النظر أو سوء فهم مع الأردن في السابق بسبب الاحتلال العراقي للكويت، أعتقد الآن أن حكمة قادتنا ورؤيتهم للأحداث ستمكنهم من لملمة هذه الجراح والانطلاق نحو صفحة جديدة.”
وكانت مواقف الدول العربية قد تباينت خلال الغزو العراقي للكويت عام 1990؛ حيث انقسمت بين مؤيد ومعارض للعراق. وأدى تبني الأردن موقفًا داعمًا للعراق إلى خلافات مع بعض الدول الخليجية، ومنها قطر، التي كانت جزءًا من التحالف الدولي المناهض للغزو.
اليوم، تسعى قطر إلى تجاوز هذه الخلافات التاريخية وتعزيز العلاقات مع الأردن، مستندة إلى رؤية مشتركة تدعم استقرار المنطقة وتدعو إلى التعاون العربي.
الخلاف مع البحرين
حمد بن جاسم تطرق خلال المؤتمر الصحفي، كذلك، إلى الخلاف مع البحرين بشأن السيادة على جزر حوار ومنطقة فشت الديبل، مشيرا إلى التزام البلدين بقرار محكمة العدل الدولية.
وقال: “سواء قطر أو البحرين، أعلنت الدولتان التزامهما بقرار محكمة العدل الدولية.”
وأوضح أن المحكمة أجازت لقطر التقدم بطلب منفرد إذا لم يتم التوصل إلى اتفاق مع البحرين بشأن رفع الخلاف إلى المحكمة بنص موحد من الجانبين. وأكد: “نحن في دولة قطر ملتزمون بقرار المحكمة، وبحل هذا الخلاف بالطرق القانونية والسلمية بين الدولتين الشقيقتين.”
وفي رد على سؤال حول إمكانية تعميم الخطوة التي اتخذتها قطر مؤخرًا بالسماح للكويتيين بدخول أراضيها باستخدام البطاقة الشخصية فقط لتشمل مواطني جميع دول مجلس التعاون الخليجي، لا سيما البحرينيين، أكد حمد بن جاسم: “نرحب بذلك، وليس لدينا أي مانع، وهذا ما أستطيع أن أؤكده رسميا الآن.”
وأضاف الوزير: “ليس لدينا مانع من أن يكون البحرينيون أول الخليجيين الذين يدخلون قطر بالبطاقة الشخصية.”
الموقف من إسرائيل
فيما يتعلق بالجدل حول العلاقات مع إسرائيل والمساعي الأمريكية لإنهاء المقاطعة العربية للدولة العبرية، أوضح حمد بن جاسم أن قطر لا تربطها أي علاقة بإسرائيل في الوقت الراهن. وقال: “أولا، لا توجد علاقة لنا مع إسرائيل، لكن جرت مقابلات ذكرناها في حينه بيني وبين (وزير خارجية إسرائيل) شيمون بيريز.”
وأضاف: “كانت هذه المقابلات فقط للتطلع إلى العلاقات بعد زوال الأسباب التي أجبرت الدول العربية على مقاطعة إسرائيل، وهي احتلال الأراضي العربية.”
وأكد أن أي تعاون مستقبلي مع إسرائيل مرتبط بحل القضية الفلسطينية، قائلاً: “إذا تم تسوية هذا الموضوع، أعتقد أنه لن يكون هناك مانع من قيام تعاون بيننا؛ لأن القضية هي أن هناك مشكلة قائمة، وإذا حُلت المشكلة، لا أعتقد أن هناك سببًا للمقاطعة.”
وحول ما إذا كان زوال أسباب القطيعة يعني إنهاء الاحتلال الإسرائيلي أم مجرد تحقيق تقدم في المسار السياسي، أوضح الوزير القطري: “التقدم بالنسبة إلينا يعني استرجاع الأراضي العربية المحتلة سنة 1967، حسب قرارات مجلس الأمن وحسب الاتفاق الذي تم في مؤتمر مدريد للسلام.”
وأسس مؤتمر مدريد للسلام في عام 1991 لمسار مفاوضات سلام مباشرة بين إسرائيل والدول العربية، بما في ذلك الفلسطينيين، وهو ما اعتُبر خطوة تاريخية نحو إنهاء الصراع العربي-الإسرائيلي.
وردا على سؤال حول كيفية توفيق قطر بين المصالح والمبادئ، عندما اشترطت نجاح المسيرة السلمية على جميع المسارات، بما في ذلك المسارين السوري اللبناني، للاستجابة إلى طلب إسرائيل تزويدها بالغاز، أشار الوزير إلى أن قطر تحاول الحفاظ على مبادئها.
وقال: “لا شك بأن المصالح قد تطغى على المبادئ في عالمنا الجديد، لكننا في دولة قطر نحاول الالتزام بالمبادئ قبل المصالح.”
وأضاف: “من هذا المنطلق، أعلنا أننا لا نستطيع التعامل (مع إسرائيل في موضوع الغاز) في الوقت الحاضر، إلا إذا كان هناك تقدم على المسار السوري واللبناني، ونأمل أن يحصل هذا التقدم بشكل سريع.”
وشدد قائلا: “لكن قطر لن تضحي بمبادئها من أجل وضعية مالية أو اقتصادية معينة.”
وفيما يتعلق بوجود اتصالات حالية بين قطر وإسرائيل، قال حمد بن جاسم: “لا توجد اتصالات غير التي أُعلنت، وهذا ما أحب أن أؤكده”.
وأضاف: “إذا جرت أي اتصالات في المستقبل، سيتم الإعلان عنها، لكن لا توجد لدينا حاليا نية لإجراء اتصالات مع إسرائيل.”
القمة الأردنية الإسرائيلية
في هذا الصدد، تطرق حمد بن جاسم إلى موقف بلاده من القمة الأردنية الإسرائيلية المقبلة، المقرر عقدها في25 يوليو/تموز الجاري، والتي دعت إليها إدارة الرئيس الأمريكي بيل كلينتون كجزء من جهودها لتعزيز السلام بين إسرائيل والدول العربية بعد اتفاقية أوسلو (1993)، وقال: “نأمل أن تكون هذه القمة إضافة إلى مسيرة السلام”.
وأضاف: ” الأردن يمر بظروف اقتصادية صعبة، ولا يخفى على أحد أن هناك وعودا من أمريكا بإلغاء ديونه إذا حصل اجتماع مباشر مع الإسرائيليين”.
وتابع: “من هذا المنطلق، نعتقد أنه ليس أمام الأردن إلا أن يسير في هذا الموضوع؛ فهو يمر بظروف صعبة، ونحن لا نستطيع أن نقدم المساعدة بالشكل الذي يجب، لذا يجب أن لا نحرمه من فرصة متاحة أمامه.”
وفيما يتعلق بالتساؤلات حول ما إذا كان دخول الأردن في مسار سلام منفصل مع إسرائيل قد يؤثر على مساري سوريا ولبنان في المفاوضات، نفى الوزير هذا الاحتمال قائلا: “لا أعتقد أن ذلك سيضعف المسارات الأخرى.”
وأعرب عن ثقته بأن “الإخوان في الأردن حريصون على المسار السوري واللبناني، كما هم حريصون على المسار الأردني”.
وتمنى أن تكون هذه الخطوة “حافزًا للإسرائيليين للإسراع في حل مشاكلهم مع سوريا ولبنان بشكل أسرع؛ لأن الأردن في النهاية جزء من العالم العربي، الذي لن يقبل أن تضيع أرض عربية من أي دولة عربية.”
إعلان دمشق لم يضف شيئا
وحول ماذا كان “إعلان دمشق” الذي صدر بعد حرب الخليج الثانية في مارس/آذار 1991 لا يزال فعالا الآن، قال حمد بن جاسم: “عند توقيع إعلان دمشق، كان لدينا حلم أو أفكار عن عالم عربي جديد، وعن مستوى من التفاهم بين الدول العربية، وعن مساعدة الدول العربية التي تحتاج الدعم.”
وأوضح أن الإعلان، الذي وقعته 8 دول بقيادة مصر وسوريا، انطلق من هذا الأساس، لكنه لم يحقق النتائج المرجوة.
وأضاف: “الإعلان في رأيي لا يخرج عن إطار جامعة الدول العربية، ويجب أن تكون الجامعة هي الأساس والمصدر الذي نحتكم إليه ونجتمع حوله.”
وتابع: “لكن، بكل صراحة، الإعلان لم يضف شيئًا جديدًا لصالح الدول العربية أو حتى للدول الثماني رغم أنه يعكس نوايا طيبة، ونأمل أن تُترجم هذه النوايا إلى أفعال طيبة في المستقبل.”
وجاء إعلان دمشق في أعقاب تحرير الكويت، بمبادرة من مصر وسوريا، وانضمت إليه دول مجلس التعاون الخليجي الست. وكان الهدف من الإعلان تشكيل تحالف إقليمي عربي لتعزيز التعاون المشترك، بما في ذلك ترتيبات أمنية لمواجهة أي تهديدات مستقبلية، خاصة بعد تداعيات أزمة غزو العراق للكويت عام 1990.
ورغم النوايا الطيبة، واجه الإعلان تحديات كبيرة في التنفيذ، أبرزها عدم توافق الدول المشاركة حول الدور الأمني والعسكري للتحالف، مما أدى إلى غياب تأثير حقيقي للإعلان على صعيد التعاون الأمني العربي.
وبمرور الوقت، أصبح الإعلان مجرد إطار دبلوماسي رمزي، ولم يرتقِ إلى مستوى الاتفاقية الفاعلة التي يمكنها تعزيز الأمن الإقليمي.
وفي رده على سؤال حول إمكانية عقد قمة عربية لحل الخلافات بين الدول، قال حمد بن جاسم: “نحن نرحب إذا كانت هناك نية لعقد قمة عربية، ونأمل أن تكون هذه القمة بداية لحل الخلافات ولإذابة الجليد بين الدول العربية.”
