ردًا على تصريحات عمرو موسى خلال مؤتمر بالأردن .. حمد بن جاسم يحذر من الانجرار إلى المزايدات بشأن إقامة علاقات مع إسرائيل
دعا وزير الخارجية القطري إلى تجنب المزايدات بشان إقامة علاقات مع إسرائيل، بينما انتقد عمرو موسى ما وصفه بـ”هرولة” بعض الدول العربية للسلام معها
عمان- 30 أكتوبر/ تشرين الأول 1995
دعا وزير الخارجية القطري حمد بن جاسم بن جبر آل ثاني، يوم الثلاثاء 29 أكتوبر/ تشرين الأول 1995، إلى تجنب الدخول في مزايدات أو مهاترات سياسية بشأن مسار السلام مع إسرائيل، مشددًا على ضرورة دعم خيار التسوية السياسية.
وجاءت دعوة الوزير القطري ردًا على الكلمة التي ألقاها نظيره المصري عمرو موسى، خلال الجلسة الافتتاحية لمؤتمر القمة الاقتصادي للشرق الأوسط وشمال أفريقيا، المنعقد في العاصمة الأردنية عمان بمشاركة رئيس الوزراء الإسرائيلي إسحق رابين.
وكان موسى قد انتقد ما وصفه بـ”هرولة” بعض الدول العربية نحو إبرام اتفاقات سلام مع إسرائيل، مشيرًا إلى أن ذلك جرى دون تحقيق انسحاب إسرائيلي من الأراضي المحتلة أو تنفيذ قرارات الشرعية الدولية.
وافتتحت الدورة الثانية للمؤتمر في عمان، بعد أن استضافت المملكة المغربية الدورة الأولى منه عام 1994، بمشاركة واسعة من مسؤولين سياسيين واقتصاديين ورجال أعمال من مختلف أنحاء العالم.
وأشار موسى، في كلمته، إلى أن معاهدتي السلام الوحيدتين القائمتين بين دول عربية وإسرائيل هما الاتفاق المصري الموقع عام 1979، والاتفاق الأردني الموقع عام 1994، وكلاهما تم بوساطة أمريكية.
وأكد الوزير المصري أن “مبدأ الأرض مقابل السلام سيبقى هو الإطار الحاكم للمفاوضات، سواء فيما يخص القضية الفلسطينية أو المسارين السوري واللبناني”، موضحًا أن المسارين لا يزالان معطلين حتى الآن.
ومنذ حرب الخامس من يونيو/ حزيران عام 1967، تواصل إسرائيل احتلال أراضٍ عربية في كل من فلسطين وسوريا ولبنان، وترفض حتى اليوم الانسحاب الكامل منها وفق قرارات مجلس الأمن.
وشدد موسى على أنه “لا يمكن الحديث عن تسوية نهائية شاملة من دون قيام دولة فلسطينية مستقلة”، داعيًا إلى الحذر من محاولة الالتفاف على هذا المطلب الجوهري.
خمسة عقود
وفي رده على عمرو موسى، قال وزير الخارجية القطري حمد بن جاسم، في كلمته أمام القمة الاقتصادية، “نحن هرولنا من أجل السلام، وقد هرول الكثيرون قبلنا من أجل السلام”، في إشارة إلى مصر..
وأضاف الوزير القطري أن “العقود الخمسة الماضية لم تأتِ بأي نتيجة لا لقطر ولا لدول المواجهة”، مشيرًا إلى أن المقاربة الحالية القائمة على الحوار والتفاوض خيار واقعي ينبغي دعمه.
وأوضح أن “هذا هو الطريق الذي اختارته بلاده، ويجب احترامه”، داعيًا في الوقت نفسه إلى “عدم الانجرار إلى مزايدات لفظية أو مهاترات سياسية لا تخدم مصلحة أحد”.
وأكد حمد بن جاسم أن الدوحة متمسكة بثوابتها، وفي مقدمتها دعم الحقوق العربية والفلسطينية، والعمل على إنهاء الاحتلال الإسرائيلي.
ولا تقيم قطر علاقات دبلوماسية رسمية مع إسرائيل، وإن كانت هناك مشاورات ومحادثات حول إمكانية تبادل فتح مكاتب تمثيل تجاري بين الجانبين في الدوحة وتل أبيب، عقب اتفاقيتي أوسلو الموقعتين بين منظمة التحرير الفلسطينية وإسرائيل عامي 1993 و1995.
وتُعد من أبرز ثوابت السياسة الخارجية القطرية الدعوة إلى إنهاء الاحتلال الإسرائيلي لكافة الأراضي العربية التي احتُلت عام 1967، وإقامة دولة فلسطينية مستقلة عاصمتها القدس الشرقية المحتلة.
مصر والأردن
وفي مداخلة لافتة، طلب العاهل الأردني الملك الحسين بن طلال الكلمة للرد على تصريحات موسى، قائلًا: “إذا كان التوجه نحو السلام هرولة، فقد سبقتنا مصر في الهرولة، قبل سبعة عشر عامًا”.
وأضاف الملك الحسين: “إذا كانت هناك محاولة جادة لتعويض ما فاتنا من وقت ضائع على الفلسطينيين، والمصريين، والأردنيين، والسوريين، واللبنانيين، فنحن لا نهرول، بل نركض باتجاه تعويض ذلك الوقت”.
وتابع قائلاً: “كنا أول المهرولين عندما سلمنا لمصر قيادة الجيش الأردني وقواتنا المسلحة ومصيرنا قبل 28 عامًا”، في إشارة إلى التنسيق العسكري والسياسي مع القاهرة قبيل حرب عام 1967.
وأدلى الملك بتصريح لافت بشأن دعوة موسى إلى عقد الدورة المقبلة من القمة الاقتصادية في القاهرة، فقال: “لا أستغرب أن تنعقد هناك، لكن توجد أيضًا دعوة من دولة شقيقة في الخليج – قطر – لعقد المؤتمر”.
واعتبر العاهل الأردني أنه “من الأنسب أن يُعقد المؤتمر المقبل في منطقة الخليج، حرصًا على التوزيع الجغرافي العادل، ومنح جميع الأطراف فرصة متكافئة للاستضافة”.
وكشفت مصادر مشاركة في المؤتمر أن وزير الخارجية المصري عمرو موسى والملك الحسين عقدا اجتماعًا قصيرًا عقب الجلسة الافتتاحية، من أجل تبديد أي توتر محتمل نتج عن التصريحات المتبادلة.
وفي وقت لاحق، أعلنت لجنة العمل الخاصة بالمؤتمر الاقتصادي أنها وافقت على أن تستضيف القاهرة الدورة الثالثة المقبلة من مؤتمر القمة الاقتصادي.
لكن قطر تحفظت رسميًا على هذا القرار، ودعا الملك الحسين اللجنة إلى إعادة النظر فيه بما يكفل تمثيلًا عادلًا وتوزيعًا جغرافيًا متوازنًا بين الدول العربية المضيفة.
ويشارك في المؤتمر أكثر من 1200 مسؤول ومندوب يمثلون ما يزيد عن ستين دولة، إلى جانب عدد مماثل من كبار رجال الأعمال والمؤسسات الاقتصادية الدولية.
ويُعد هذا التجمع الاقتصادي أحد أهم المنصات الإقليمية لبحث التعاون الاستثماري بين دول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، ودفع فرص التطبيع الاقتصادي بين بعض الدول العربية وإسرائيل.
وقد قاطعت المؤتمر دول عربية عدة، أبرزها سوريا ولبنان وليبيا والسودان والعراق، رفضًا لمشاركة الوفد الإسرائيلي الرسمي في فعاليات المؤتمر.
في المقابل، شاركت شخصيات بارزة، منها رئيس السلطة الفلسطينية ياسر عرفات، وولي العهد المغربي الأمير سيدي محمد، وعدد من وزراء خارجية الدول الكبرى.
ومن بين الوزراء المشاركين: وزير الخارجية الأمريكي وارن كريستوفر، ونظيره الروسي أندريه كوزيريف، والياباني يوهي كومو، والإسباني خافيير سولانا ممثلًا للاتحاد الأوروبي.
كما حضر المؤتمر الأمين العام لجامعة الدول العربية عصمت عبد المجيد، في وقت كانت فيه الجامعة تتبنى موقفًا داعمًا للعملية السياسية ولكن مشروطًا بتحقيق المطالب العربية المشروعة.
وقد خيّمت على أجواء المؤتمر أصداء اغتيال الأمين العام لحركة الجهاد الإسلامي الفلسطينية فتحي الشقاقي، الذي قُتل في مالطا يوم 26 أكتوبر/ تشرين الأول 1995، في عملية نُسبت إلى جهاز “الموساد” الإسرائيلي.
ورغم محاولة الجهات المنظمة إبعاد هذا الحدث عن الجلسات الرسمية، إلا أن آثار العملية انعكست على الجلسات والنقاشات، وأدت إلى تعزيز الإجراءات الأمنية في العاصمة الأردنية عمان.
واتخذت السلطات الأردنية سلسلة تدابير مشددة في محيط مقر المؤتمر والفنادق والمرافق العامة، خشية أي تهديدات أمنية قد تستهدف الوفود المشاركة أو مسؤولي الدول.
