خلال مقابلة مع الصحفي الأمريكي دانيال بايبس..حمد بن جاسم: لا نتبع أمريكا بشكل أعمى وعلاقتنا طيبة مع الجميع
وأشار حمد بن جاسم إلى أن علاقات قطر الخارجية ليست على وتيرة واحدة بطبيعة الحال، بل لها مستويات مختلفة.
نيويورك- 26 سبتمبر/أيلول 1996
أكد وزير الخارجية القطري حمد بن جاسم بن جبر آل ثاني، الخميس 26 سبتمبر/أيلول 1996، أن بلاده تحافظ على استقلالية سياستها الخارجية، ولا تتبنى السياسات الأمريكية بشكل أعمى.
جاءت تصريحاته خلال مقابلة في نيويورك أجراها معه الصحفي الأمريكي الشهير دانيال بايبس، مؤسس “منتدى الشرق الأوسط”، حيث شدد حمد بن جاسم على أن قطر تسعى لإقامة علاقات متوازنة مع مختلف الدول، وتنطلق في سياستها الخارجية من مصالحها الوطنية.
وأوضح قائلا: “هدفنا إقامة علاقات جيدة مع الجميع، وإدارة شؤون بلدنا بعيدا عن أي تدخل خارجي.”
ورغم إقراره بـ”صعوبة تكوين صداقة مع الجميع”، إلا أنه أشار إلى أن بلاده ماضية في هذا النهج.
وقال مستشهدا: “لدينا تعاون عسكري وعلاقات صداقة مع الولايات المتحدة ودول أوروبا، ونحافظ في الوقت ذاته على علاقات جيدة مع إيران، وعلاقات طبيعية مع العراق.”
وأضاف: “عندما يسألنا البعض عن سبب مساعدتنا لإيران والعراق، نرد بأنهم جيراننا، ويجب أن يكون بيننا تفاهم حول عدم التدخل في شؤوننا الداخلية.”
العلاقات الجيدة أمان
وفيما يتعلق بما إذا كانت قطر لديها مخاوف من أن تُترك بمفردها حال تعرضت لأزمة، نفى حمد بن جاسم وجود هذه المخاوف، مؤكدا أن بلاده واعية بحدود إمكاناتها.
وقال: “نعرف حدودنا وما نستطيع فعله وما لا نستطيع، وعندما تكون لدينا علاقات جيدة مع جميع الدول الكبرى في منطقتنا نكون في أمان أكثر.”
وأشار إلى أن علاقات قطر الخارجية ليست على وتيرة واحدة بطبيعة الحال، بل لها مستويات مختلفة.
وأوضح: “على سبيل المثال، نتعاون عسكريا مع الولايات المتحدة، وليس مع العراق أو إيران، لكن لدينا مع ذلك علاقات جيدة مع إيران، ونحن نعرف أين يجب أن تكون لدينا علاقات قوية، وأين تكفي العلاقات الطبيعية فقط.”
وأضاف مستدركا: “حتى العلاقات الطبيعية يمكن أن تضمن لنا الأمان في الأزمات.”
مصالحنا منطلق سياستنا
السعي إلى نسج علاقات جيدة مع الجميع، لا يعني بالنسبة لقطر رهن سياستها الخارجية لأحد، وفق حمد بن جاسم، الذي أكد على استقلالية السياسة القطرية وارتباطها بالمصالح الوطنية.
وقال مدللا على ذلك: “إذا طلب منا الأمريكيون الانضمام إلى سياستهم في الاحتواء المزدوج، سنرفض؛ لأن ذلك ليس في صالحنا ولا في صالح المنطقة. فنحن لدينا حدود بحرية مع إيران، ويجب أن نحافظ على علاقات جيدة معها لتجنب أي صدامات.”
وصاغت إدارة الرئيس الأمريكي بيل كلينتون استراتيجية “الاحتواء المزدوج” لإيران والعراق، والتي تعني إبقاء كلا البلدين ضعيفين في الوقت نفسه بدلا من دعم إحداهما على حساب الأخرى.
وفي رده على سؤال حول ما إذا كانت العلاقات الجيدة مع الجميع أفضل من التحالف الكامل مع طرف واحد، شدد بن جاسم على سياسة قطر الرامية إلى إقامة علاقات جيدة مع الجميع، مشيرا إلى أن “التاريخ يعلّمنا أن الأعداء قد لا يبقون أعداء إلى الأبد، ولا الأصدقاء يبقون أصدقاء إلى الأبد.”
واستدرك قائلا: “بالطبع، لدينا علاقة متينة مع الولايات المتحدة، وهذا يعني أنه، كصديق، يجب أن نكون صادقين مع الأمريكيين، ونوضح لهم ما نراه صحيحا أو خاطئا”.
واعتبر أنه “ليس من مصلحة الولايات المتحدة أن تتبعها قطر في سياساتها بشكل أعمى”.
ولفت إلى أن الولايات المتحدة بحاجة إلى نصيحة صادقة من صديق مطلع على المنطقة، مستشهدا بالمثل العربي الذي يقول “عدو ذكي أفضل من صديق غبي.”
العلاقات مع العراق وإيران والسعودية
وعند سؤاله عن موقف قطر تجاه النظامين الحاكمين حاليا بالعراق وإيران وسياستها إزاء البلدين، أعرب حمد بن جاسم عن عدم قلق بلاده بشأن طبيعة النظام في كلا البلدين، مشيرا إلى أن ذلك “ليس من شأننا”.
وأوضح قائلا: “نحن لا نرغب في أن يتدخلوا في شؤوننا، ونبقى خارج شؤونهم. دع الشعب هناك يقرر من يريد، ولا يمكننا أن نقرر نيابة عنهم. طالما أنهم لا يتدخلون في شؤوننا، فبإمكانهم أن يختاروا أي نظام يرغبون به.”
وفيما يتعلق بغزو العراق للكويت، وصف حمد بن جاسم هذا الغزو بأنه تدخل في شؤون دول الخليج؛ مما دفع قطر للمشاركة في حرب تحرير الكويت، وأضاف: “سنكرر ذلك إذا حاول صدام السيطرة على الكويت مرة أخرى.”
ونفى أن تكون قطر تُقدم دعما لنظام صدام حسين، مؤكدا أن العلاقات الدبلوماسية بين البلدين لا تعني دعم النظام العراقي.
وقال: “قد لا نتفق مع صدام في جميع النقاط، والحوار معه لا يعني أن لدينا علاقات ممتازة.”
وأضاف: “نحن نرى أن عليه تنفيذ قرارات الأمم المتحدة، أما القضايا الأخرى فهي ليست من شأننا. أفضل دائما الحفاظ على الحوار، حتى لو كان مع عدو.”
وفي رد على سؤال بشأن تصريحه الأخير بأن “القيادة في منطقة الخليج للسعودية”، أوضح حمد بن جاسم أن السعودية هي القائد الطبيعي لدول مجلس التعاون الخليجي، معتبرا أنه “من الجيد أن يكون لدينا قائد، وإلا سنتجادل كثيرا”.
وأعرب عن رغبته في رؤية السعودية كأقوى دولة بالمنطقة، قائلا: “تاريخيا، لدينا أفضل العلاقات معها، والسعوديون يعاملوننا على قدم المساواة.”
تمركز قوات أمريكية بالمنطقة
وبشأن طلب واشنطن مع الدوحة تقاسم تكاليف نشر معدات عسكرية أمريكية تكفي لفرقة مدرعة على الأراضي القطرية، اعتبر حمد بن جاسم أن هذا الطلب “غير منصف”.
وقال موضحا: “تواجد القوات الأمريكية بأراضينا ليس لحمايتنا فقط؛ فحماية قطر تصب في مصلحة الولايات المتحدة وأوروبا واليابان ودول أخرى”.
وتحدث في هذا الصدد عن المساهمات التي تُقدمها دول الخليج للولايات المتحدة، والتي تستفيد منها دول أخرى.
وقال: “دول مجلس التعاون تُقدم الأرض وتقبل بنشر المعدات الأمريكية”.
وأضاف: “دول الخليج تتبع سياسة نفطية معتدلة، بخلاف دول تسعى لرفع سعر برميل الخام إلى 60 أو 70 دولارا، وجراء ذلك تبقي الأسعار ضمن مستويات معقولة، وهذا شكل آخر من أشكال مساهمتنا.”
القوات الأمريكية عنصر استقرار
في المقابل، أكد حمد بن جاسم أن “القوات الأمريكية تُعتبر عامل استقرار في المنطقة، ووجودها ضرورة تُقدره دول مجلس التعاون الخليجي.”
وفيما يتعلق بالمخاطر المحتملة حال قلّصت الولايات المتحدة قواتها نتيجة لأحداث مثل الهجوم الدامي الذي تعرضت له قواتها بالسعودية مؤخرا، حذر حمد بن جاسم من أن “هذا سيكون خطرا على الجانبين؛ فالولايات المتحدة تقود العالم، وهذا يفرض عليها في المقابل تحمّل التزامات”.
لكنه اعتبر أنه “من غير المنصف أن تتحمل أمريكا العبء وحدها”، داعيا الدول الأوروبية والآسيوية التي تستفيد من أسعار النفط المعقولة بالمشاركة في تحمل هذا العبء.
واستدرك موضحا: “هذه المشاركة يجب أن تتمثل في تقديم دعم مادي، وليس بالضرورة عبر المشاركة بقوات.”
