في كلمته أمام الدورة الـ51 للجمعية العامة للأمم المتحدة .. حمد بن جاسم يدعو أمريكا وروسيا لدعم السلام ويطالب بتوسيع عضوية مجلس الأمن
أعرب حمد بن جاسم عن تطلع قطر إلى نظام دولي جديد يقوم على العدالة والإنصاف، ويستبعد سياسة الكيل بمكيالين
نيويورك- 2 أكتوبر/تشرين الأول 1996
دعا وزير الخارجية القطري حمد بن جاسم بن جبر آل ثاني أمريكا وروسيا كراعيتين لعملية السلام إلى تكثيف جهودهما لدعم المساعي الرامية لتحقيق سلام عادل وشامل في الشرق الأوسط، ومواجهة الانتهاكات الإسرائيلية في الأراضي المحتلة.
وأعرب، في كلمته أمام الدورة الـ51 للجمعية العامة للأمم المتحدة بنيويورك الأربعاء 2 أكتوبر/تشرين الأول 1996، عن تطلع قطر إلى نظام دولي جديد يقوم على العدالة والإنصاف، ويستبعد سياسة الكيل بمكيالين، معتبرا أن ذلك يتطلب توسيع عضوية مجلس الأمن ليعكس الحقائق السياسية والاقتصادية والجغرافية الجديدة لبعض الدول.
السلام بالشرق الأوسط
فيما يتعلق بعملية السلام، أكد حمد بن جاسم أن قطر تدعم الجهود الرامية إلى تحقيق السلام العادل والشامل والدائم في منطقة الشرق الأوسط.
وأوضح أن تحقيق هذا السلام يستوجب انسحاب إسرائيل الكامل من كافة الأراضي الفلسطينية المحتلة، وإقامة دولة فلسطينية مستقلة عاصمتها القدس، والانسحاب الإسرائيلي الكامل غير المشروط من الجولان السوري، ومن الجنوب اللبناني وبقاعه الغربي.
وأشار إلى أن هذا الانسحاب يجب أن يتم وفقا لقرارات مجلس الأمن الدولي (242 لعام 1967، 338 لعام 1973، 425 لعام 1978) وتطبيق مبدأ “الأرض مقابل السلام”، الذي قبله العرب والإسرائيليون كأساس لتحقيق السلام.
ودعا في هذا الصدد الحكومة الإسرائيلية الجديدة برئاسة بنيامين نتنياهو إلى مواصلة العمل بجدية لإنجاح عملية السلام، استنادا إلى قرارات الأمم المتحدة ذات الصلة، ومرجعية مؤتمر مدريد، ومبدأ “الأرض مقابل السلام”، ومرجعية الاتفاقات التي تم التوصل إليها بتراضي جميع الأطراف.
وأعرب عن الأمل في أن تراجع هذه الحكومة مواقفها، بما يسهم في تحقيق تقدم ملموس نحو سلام عادل وشامل، وبناء أسس الثقة والتعاون بين شعوب ودول المنطقة.
ومتطرقا إلى جانب من هذه المواقف، عبر حمد بن جاسم عن قلق قطر البالغ إزاء استمرار إسرائيل في بناء المستوطنات واستقدام مستوطنين للأراضي الفلسطينية المحتلة والجولان السوري المحتل؛ مما يمثل انتهاكا للشرعية الدولية واتفاقية جنيف الرابعة، وتهديدا لمسيرة السلام.
وطالب بوقف كافة الأنشطة الاستيطانية الإسرائيلية، وإزالة هذه المستوطنات.
كما أشار إلى قيام إسرائيل مؤخرا بفتح نفق أسفل المسجد الأقصى، معتبرا ذلك اعتداءً على السلام، واستفزازا لمشاعر المسلمين، وخرق لاتفاقية جنيف الرابعة.
وحذر من أن هذا العمل يهدد بنسف عملية السلام ويعيد المنطقة إلى دوامة التوتر والعنف.
وشدد على رفض قطر القاطع لأي محاولات لتغيير معالم القدس ووضعها القانوني، أو إحداث أي تغييرات في خصائصها الجغرافية والسكانية بحدودها المعروفة قبل الرابع من يونيو حزيران 1967.
كما دعا المجتمع الدولي إلى ضمان امتثال إسرائيل لقرارات الشرعية الدولية المتعلقة بالقدس، وخاصة قرار مجلس الأمن رقم 252 (1968).
واعتبر أن تحقيق السلام لا يمكن أن يتم إلا بحل قضية القدس وتسوية مشكلة اللاجئين الفلسطينيين استنادًا إلى حقهم في العودة وفقًا للشرعية الدولية.
وفي هذا الصدد، دعا الولايات المتحدة وروسيا، باعتبارهما الدولتين الكبيرتين الراعيتين لعملية السلام، إلى تكثيف جهودهما في دعم مسيرة السلام، بما يشمل الاستمرار في توفير الدعم السياسي والاقتصادي للشعب الفلسطيني وسلطته الوطنية.
كما دعا البلدان إلى التدخل العاجل لوضع نهاية سريعة للانتهاكات الإسرائيلية في الأراضي المحتلة، حفاظا على الحقوق الوطنية للشعب الفلسطيني.
وحث جميع الأطراف على استئناف المفاوضات لتنفيذ الاتفاقيات التي تم التوصل إليها، وتنشيط عملية السلام وصولا إلى تحقيق الاستقرار والعدالة في المنطقة.
وأعرب حمد بن جاسم عن تطلع بلاده إلى أن يُسفر اجتماع واشنطن، الذي سيضم اليوم الرئيس بيل كلينتون ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، والرئيس الفلسطيني ياسر عرفات، والعاهل الأردني الملك الحسين بن طلال عن اتخاذ إجراءات ملموسة، وفي مقدمتها إغلاق إسرائيل للنفق أسفل المسجد الأقصى بشكل دائم، وسحب قواتها بشكل فوري من المناطق الفلسطينية.
أيضا، أكد الوزير القطري في هذا الصدد على ضرورة التمييز بين الإرهاب والمقاومة الوطنية المشروعة، ودعا إلى عدم استخدام مسمى الإرهاب لتجريم حقوق الشعوب المشروعة في الدفاع عن أراضيها.
التحديات الإنسانية بالعراق وليبيا
وفيما يتعلق بالشأن العراقي، رحب حمد بن جاسم باتفاق “النفط مقابل الغذاء” بين العراق والأمم المتحدة، المرتبط بقرار مجلس الأمن رقم 986 لعام 1995، مشيرًا إلى أن الاتفاق يمثل خطوة مهمة لتخفيف معاناة الشعب العراقي عبر توفير احتياجاته الأساسية من الغذاء والدواء.
ودعا الأمم المتحدة إلى تسريع الإجراءات اللازمة لضمان تنفيذ الاتفاق بشكل فعّال، مع التشديد على موقف قطر الثابت الداعم لوحدة العراق وسلامته الإقليمية، ورفض أي تدخل في شؤونه الداخلية.
وفي الوقت ذاته، طالب العراق بالالتزام الكامل بتنفيذ قرارات مجلس الأمن ذات الصلة، على أن تكون هذه القرارات متوافقة مع قواعد القانون الدولي والشرعية الدولية.
وفي الشأن الليبي، أعرب الوزير القطري عن قلقه العميق إزاء الوضع الإنساني في ليبيا نتيجة العقوبات المفروضة عليها، مشيرًا إلى ضرورة مراجعة أساليب فرض العقوبات لتجنب معاناة الشعوب.
ودعا إلى وضع ضمانات وإجراءات موحدة لضمان تحقيق التوازن بين المصالح الدولية المشروعة والتخفيف من تأثير العقوبات على المدنيين.
وأوضح أن سياسة العقوبات يجب أن تُطبق بطريقة إنسانية تضع في اعتبارها حقوق الشعوب المتضررة، مؤكدًا أن دولة قطر تدعم جميع الجهود الرامية لتحقيق هذا التوازن الإنساني والقانوني.
اتفاق اليمن وإرتيريا
وفي سياق سياسة قطر الداعمة لحل الخلافات بين الدول بالسبل السلمية، أشاد حمد بن جاسم بالاتفاق الموقع بين اليمن وإريتريا في باريس، في مايو/أيار الماضي، لتسوية النزاع حول جزيرة حنيش الكبرى عبر التحكيم الدولي.
وأكد أن هذا الاتفاق يُعد خطوة هامة نحو حل النزاعات سلميًا وفقًا لميثاق الأمم المتحدة وقواعد القانون الدولي؛ مما يعزز أمن واستقرار منطقة البحر الأحمر.
وثمّن الوزير الجهود التي بذلتها حكومة فرنسا لدعم هذه التسوية السلمية، مشيرًا إلى أن هذا الاتفاق يمثل نموذجًا للتعاون الدولي الذي يسهم في بناء علاقات حسن الجوار ودعم الأمن والسلم الإقليميين.
نزاع الإمارات وإيران
وأعرب في هذا السياق عن دعم قطر لحل النزاع بين الإمارات وإيران حول جزر أبو موسى وطنب الكبرى وطنب الصغرى عبر الطرق السلمية، مؤكدا أن الحوار البناء هو السبيل الأمثل لتعزيز الثقة وتحقيق الاستقرار في المنطقة.
وأوضح أن هذا الدعم يأتي في إطار سعي قطر، بالتعاون مع شقيقاتها في مجلس التعاون الخليجي والدول الصديقة، إلى تحقيق الأمن والاستقرار في منطقة الخليج، التي تمثل أهمية حيوية للعالم أجمع.
وأوضح أن هذه الجهود تستند إلى إقامة علاقات مستندة على أسس حسن الجوار والاحترام المتبادل وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى، مع احترام الشرعية الدولية وحل الخلافات عبر الحوار والوساطة أو من خلال الاحتكام إلى محكمة العدل الدولية.
أسلحة الدمار الشامل
في سياق آخر، شدد وزير الخارجية القطري، في كلمته، على ضرورة الحد من السباق نحو التسلح، وخاصة أسلحة الدمار الشامل.
وأكد على أهمية تجديد معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية لأجل غير مسمى، ودعا كافة الدول للانضمام إليها لضمان عالميتها.
كما طالب بضرورة انضمام إسرائيل إلى المعاهدة، وإخضاع منشآتها النووية لنظام الضمانات الخاص بالوكالة الدولية للطاقة الذرية.
وأشار إلى أن هذه الخطوات تُعد أساسية لإنشاء منطقة خالية من الأسلحة النووية وأسلحة الدمار الشامل في الشرق الأوسط، بما يسهم في تعزيز الأمن المتساوي والمتوازن وتحقيق الاستقرار في المنطقة.
وأضاف أن توقيع اتفاقية حظر التجارب النووية يُعتبر خطوة أساسية نحو تحقيق هذه الأهداف.
نظام دولي جديد
في كلمته أيضا، دعا حمد بن جاسم إلى بلورة نظام دولي جديد يرتكز على العدالة والإنصاف، ويستبعد سياسة الكيل بمكيالين.
ولفت إلى أهمية معالجة القضايا الدولية بفهم شامل ومنطقي، بما يضمن استقرار النظام العالمي.
وأكد على الدور المحوري الذي تلعبه الأمم المتحدة في مواجهة التحديات الدولية وحفظ الأمن والسلام العالميين، وهو ما يستدعي تعزيز كفاءتها من خلال إصلاح هيكلي.
وأشار إلى أن تنشيط الجمعية العامة يُعد خطوة أولى نحو تحقيق هذا الهدف، بحيث تكتسب قراراتها المصداقية اللازمة أمام المجتمع الدولي.
واعتبر أن هذا الأمر لن يتأتى إلا بتوسيع عضوية مجلس الأمن بحيث يعكس الحقائق السياسية والاقتصادية والجغرافية الجديدة لبعض الدول، ويصبح أكثر قدرة على إدراك المعطيات الدولية الجديدة، وتحمل المسؤوليات والأعباء الواقعة على عاتقه.
كما شدد الوزير القطري على أهمية تبني نهج وقائي في مواجهة الصراعات، بدلًا من الاقتصار على التدخل بعد نشوبها.
وأوضح أن الإجراءات الوقائية المبكرة هي السبيل الأمثل لتجنب النزاعات واحتوائها قبل تفاقمها، بما يضمن حلولًا عادلة ومستدامة.
كما أبرز دور المنظمات الإقليمية في تعزيز السلم والأمن الدوليين، داعيًا إلى تعزيز التعاون بينها وبين الأمم المتحدة، وفقًا للفصل الثامن من ميثاق الأمم المتحدة.
وأشار إلى أمثلة مثل منظمة الأمن والتعاون في أوروبا، ومنظمة الوحدة الأفريقية، وجامعة الدول العربية، ومنظمة المؤتمر الإسلامي، التي يمكن أن تسهم بشكل كبير في الدبلوماسية الوقائية وآليات الإنذار المبكر وفض النزاعات سلميا.
لقاءات هامة
وعلى هامش مشاركته في اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، عقد وزير الخارجية القطري سلسلة من اللقاءات مع نظرائه من مختلف دول العالم وعدد من المسؤولين الدوليين.
من بين هذه اللقاءات، اجتماع مع وكيل وزارة الخارجية الأمريكية للشؤون السياسية بيتر تارنوف؛ حيث تناول الجانبان القضايا الإقليمية ذات الاهتمام المشترك، بما في ذلك تطورات الأوضاع في منطقة الخليج، العراق، ومسيرة السلام في الشرق الأوسط.
مصادر الخبر:
– أرشيف وزارة الخارجية القطرية
