خلال محاضرة أمام معهد بيكر الأمريكي.. حمد بن جاسم يعلن عن مبادرة قطرية لإطلاق “تحالف من أجل السلام”
هيوستن- 23 فبراير/شباط 1999
أعلن وزير الخارجية القطري حمد بن جاسم بن جبر آل ثاني، الثلاثاء 23 فبراير/شباط 1999، عن مبادرة قطرية لإطلاق “تحالف من أجل السلام” الذي يهدف إلى توحيد جهود أنصار السلام ورفع صوتهم عاليا.
جاء ذلك خلال محاضرة ألقاها أمام “معهد بيكر للسياسة العامة” التابع لجامعة رايس بمدينة هيوستن الأمريكية ضمن زيارة رسمية للولايات المتحدة، حيث استعرض رؤية قطر للسلام في المنطقة والعالم.
وقال حمد بن جاسم: “السلام بالنسبة لنا في قطر هدف استراتيجي يلبي تطلعاتنا ويخدم مصالحنا الأساسية، وهو السبيل نحو بناء نظام إقليمي جديد قادر على تخليص منطقتنا من دوامة العداء والعنف وإراقة الدماء المستمرة”.
وأضاف أن “السلام هو الركيزة الأساسية لإقامة إطار إقليمي للتعاون والصداقة والأمن بين جميع دول وشعوب المنطقة”.
وأكد على أن تحقيق سلام شامل وعادل ودائم يعد ضرورة لخلق شرق أوسط جديد، يتم فيه “توجيه الموارد والطاقات نحو التنمية والازدهار، وتعزيز الاستقرار السياسي والاقتصادي، وتشجيع التفاعل الاجتماعي والثقافي”.
وتابع: “فقط من خلال السلام يمكننا بناء الثقة المتبادلة والأمن بين كافة شعوب ودول المنطقة، بدلا من هدر الجهود والموارد في صراعات لا تخدم مصلحة أي طرف”.
وأشار إلى أن السلام “يجب أن يمثل الفاصل بين ماضٍ مؤسف ومستقبل أفضل تستحقه شعوب المنطقة”.
السلام بالشرق الأوسط
وذكر حمد بن جاسم أنه “بهذه الرؤية الواضحة”، كانت قطر دائما “ملتزمة بدعم عملية المفاوضات بين العرب والإسرائيليين على أمل أن تؤدي إلى تسوية عادلة وشاملة تنهي هذا الصراع التاريخي الذي يعتبر مصدرًا رئيسيًا للعنف والتوتر في منطقتنا”.
وأوضح أن قطر تنظر إلى هذه التسوية ليس كسلسلة من الاتفاقيات الورقية المتعلقة بأجزاء من الأراضي، بل كعملية ضرورية تتطلب خطوات جادة ومهمة لتحقيق مصالحة تاريخية بين الطرفين، وإنهاء الصراع، وفتح آفاق التعاون والثقة المتبادلة بينهما.
وأكد أن السلام “يجب أن يكون شاملا وعادلا ليكون دائما ونهائيا، بحيث يستند إلى أسس مصالحة حقيقية تتيح لكافة الأطراف فرصة البناء المشترك على أسس من التعاون والمصالح المشتركة”.
وأشار الوزير إلى أن أساس السلام يتطلب احترام الحقوق الطبيعية والمتبادلة لجميع الأطراف، مشددًا على أن هذه التسوية “يجب أن ترتكز على مبادئ الشرعية الدولية، ومبدأ الأرض مقابل السلام، مع ضمان الاستقرار والأمن للجميع”.
وتابع قائلا: “يتطلب ذلك انسحاب إسرائيل من الأراضي العربية التي احتلتها عام 1967، بما في ذلك جنوب لبنان، والعودة إلى الحدود المعترف بها دوليا، ومنح الشعب الفلسطيني حقوقه الوطنية والسياسية المشروعة”.
وأضاف: “مثلما تستحق الشعوب الأخرى حول العالم حقوقها، فإن الفلسطينيين يستحقون الحصول على حقوقهم، تماما كما تستحق إسرائيل وشعبها الحصول على ضمانات السلام والأمن التي تسعى إليها”.
واعتبر أن “تمتع جميع الأطراف بهذه الحقوق سيساهم في دمج إسرائيل كجزء طبيعي من المنطقة، مما يسمح للجميع، عربا وإسرائيليين، بجني فوائد السلام القائم على حسن الجوار والصداقة والتعاون”.
أهمية الدور الأمريكي
وعلى صعيد الدعم الدولي، أكد حمد بن جاسم على أهمية دور الولايات المتحدة كوسيط رئيسي، وحث على تعزيز جهودها لضمان تقدم العملية.
وأشار إلى أن قطر قد دعمت مسارات التفاوض الثنائية بين إسرائيل وجيرانها العرب من الفلسطينيين والسوريين واللبنانيين، ورحبت بالاتفاقات التي تم التوصل إليها في المسار الفلسطيني، وعلى رأسها اتفاق واي ريفر الموقع بين إسرائيل ومنظمة التحرير الفلسطينية في 23 أكتوبر/تشرين الأول 1998، والذي وصفه بـ”الخطوة المهمة” في العملية السلمية.
وأعرب عن امتنانه للإدارة الأمريكية، خصوصا الرئيس بيل كلينتون ووزيرة الخارجية مادلين أولبرايت، على جهودهما في دفع العملية السلمية.
كما حث الأطراف المعنية على الوفاء بالتزاماتها وتنفيذ هذا الاتفاق في أقرب وقت ممكن للحفاظ على زخم التقدم والبناء عليه.
وأضاف: “نؤكد كذلك على ضرورة استئناف المفاوضات على المسارين السوري واللبناني لكسر حالة الجمود، التي أدت إلى زيادة احتمالات العنف وعدم الاستقرار في المنطقة”.
وأكد على اقتناع بلاده بالأبعاد الإقليمية الأوسع لعملية السلام، ولذلك شاركت في المفاوضات متعددة الأطراف لتحقيق تعاون إقليمي شامل.
وأوضح أن الدوحة استضافت في هذا السياق اجتماع لجان نزع السلاح، واتخذت خطوات جريئة برغم الانتقادات، حيث استضافت أيضا مؤتمر الشرق الأوسط وشمال إفريقيا الاقتصادي رغم الظروف السياسية غير الملائمة، إيمانا منها بدعم الجهود التي تعزز التعاون الإقليمي.
العلاقة مع إسرائيل
وتطرق حمد بن جاسم إلى علاقة بلاده مع إسرائيل، مشيرا إلى أن الدوحة حافظت على تمثيل رسمي مع تل أبيب، على أمل أن تتطور هذه العلاقة إلى روابط طبيعية وكاملة في حال تحقق تقدم ملموس في عملية السلام.
وقال: “لم يتحقق هذا مع الأسف بسبب السياسات السلبية وغير البناءة لحكومة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو التي إعاقة أعاقت جهود السلام.”
وأضاف: “رغم أننا لا نتدخل في الشؤون السياسية الداخلية لإسرائيل، إلا أننا نأمل أن تسفر الانتخابات المقبلة عن نتائج إيجابية تخدم مصالح السلام وتزيد من فرص التفاوض”.
وتابع: “نتطلع إلى اليوم الذي يصبح فيه خيار السلام خيارا استراتيجيا ثابتا تتبناه جميع الأحزاب السياسية في إسرائيل، بحيث لا يكون هذا الخيار رهينة للخلافات الحزبية الضيقة”.
وأعرب الوزير عن قناعة بلاده بأن الأغلبية في العالم العربي اختارت السلام كخيار استراتيجي نهائي، لافتا إلى أن قطر تتمنى بكل صدق أن تجد شريكا إسرائيليا يشاركها هذه الرؤية.
وقال: “نحن على يقين بأن شراكة من هذا النوع ستسرّع في تحقيق السلام بطرق قد يصعب تخيلها الآن. وعلى الرغم من كل الصعوبات والنكسات، ما زلنا في قطر مؤمنين بشدة بهذه العملية السلكية ومقتنعين بضرورتها وحتمية نجاحها في نهاية المطاف؛ فالسلام بالنسبة لنا حاجة أساسية، ونعتقد أنه كذلك للإسرائيليين”.
انطباع غربي خاطئ
وزير الخارجية القطري شدد أيضا على أن الانطباع السائد في الغرب، الذي يصور العرب على أنهم منقسمون حول مسألة السلام، هو “انطباع خاطئ”.
وأوضح قائلا: “في الولايات المتحدة والغرب عموما، نلاحظ أحيانا هذا التصور المؤسف بأن الحكومات العربية تسعى إلى تسوية سلمية، بينما شعوبها لا ترغب بذلك. أؤكد لكم أن هذا ليس صحيحا؛ فنحن مقتنعون بأن الأغلبية من شعوبنا ومجتمعاتنا تتطلع للسلام وتؤمن به.”
وأكد أن السلام له متطلبات أساسية كي يكون ذا معنى ودائما، فهو يجب أن يعكس حق الناس في العيش بحرية وكرامة وأمان.
وأضاف: “هذا الحق لا يجب أن يكون حصريا لطرف واحد دون الآخر، بل يجب أن ينطبق بالتساوي على كلا الطرفين، فيشمل الفلسطينيين كما يشمل الإسرائيليين.”
التمييز بين الإرهاب والمقاومة
في هذا السياق، أعرب حمد بن جاسم عن صعوبة قبول قطر لعدم التمييز في السياسة الأمريكية بين الإرهاب الموجه ضد المدنيين الأبرياء والتطلعات المشروعة للشعوب في تحرير أراضيها واستعادة حقوقها.
وقال: “ندين بشدة الإرهاب ضد الأبرياء، لكننا نؤكد أن من الضروري التفريق بينه وبين حق الشعوب المشروع في الدفاع عن حقوقها”.
وأكد الوزير على موقف قطر الرافض للتطرف والإرهاب، مؤكدا أن الإسلام بريء من هذه الظواهر، ووصفه بأنه “دين يقوم على التسامح والرحمة واحترام الديانات السماوية الأخرى، خاصة اليهودية والمسيحية”.
وأضاف أن النزعات المتطرفة التي نشهدها أحيانا لدى بعض الجماعات المسلمة لا تختلف عن مثيلاتها التي يمكن أن تظهر في الأديان الأخرى.
واعتبر أن أفضل وسيلة لمواجهة التطرف هي تعزيز الانفتاح وزيادة المشاركة الديمقراطية في صنع القرار.
نصائح لأمريكا
وفي محاضرته، وجه حمد بن جاسم نصائح للولايات المتحدة، متمنيا أن تستمع إليها.
إذ أكد أن من مصلحة الولايات المتحدة أن تتعامل مع هذا الرأي العام في المنطقة العربية والإسلامية بجدية وتستمع إلى هواجسه، مثلما تهتم بالرأي العام الإسرائيلي.
ولفت في هذا الصدد إلى أن “الرأي العام في منطقتنا أصبح ذا تأثير كبير على سياسات الحكومات، ولم يعد من الممكن تجاهله”.
الوزير القطري دعا الولايات المتحدة كذلك إلى تبني سياسة واضحة تقوم على الإدانة العلنية لأي طرف يعيق عملية السلام، مؤكدا على ضرورة ألا يتم إعفاء طرف وإلقاء اللوم على الآخر، كما يحدث غالبا مع الفلسطينيين.
وقال: “عندما يصبح النهج الأمريكي متوازنا وعادلا، نكون قد قطعنا شوطا حقيقيا نحو تحقيق تعايش سلمي حقيقي”.
تحالف من أجل السلام
وفي ختام محاضرته، دعا وزير الخارجية القطري جميع الداعمين للسلام من العرب والإسرائيليين، وكذلك الأمريكيين، سواء من الحكومة أو الإعلام أو المؤسسات الأكاديمية، إلى توحيد جهودهم في “تحالف من أجل السلام”.
وأوضح أن الهدف من هذا التحالف هو “إطلاق حملة منهجية ومستمرة لرفع صوت معسكر السلام عاليا، وتجاوز تأثير أعداء السلام السلبي”.
وأضاف أن أحد الأهداف الأساسية لهذا التحالف يجب أن يكون الضغط على السياسيين لحثهم على تبني سياسات تتماشى مع تطلعات وآمال شعوبهم، قائلا: “ربما نتمكن من أداء واجبنا تجاه شعوبنا وبلداننا باتخاذ الخطوات الضرورية لتحقيق السلام الحقيقي الذي نسعى إليه لمنطقتنا مع اقتراب الألفية الجديدة”.
