في كلمة قطر أمام الدورة الـ54 للجمعية العامة للأمم المتحدة.. حمد بن جاسم يدعو إلى توسيع عضوية مجلس الأمن وتقييد الفيتو لتحقيق عولمة عادلة
نيويورك- 30 سبتمبر/أيلول 1999
دعا وزير الخارجية القطري حمد بن جاسم بن جبر آل ثاني، الخميس 30 سبتمبر/أيلول 1999، إلى توسيع عضوية مجلس الأمن الدولي وتقييد استخدام سلطة النقض (الفيتو)، واصفا هذه الخطوة بأنها ضرورية لتحقيق عولمة عادلة تخدم المصالح المشتركة للبشرية.
جاءت هذه الدعوة خلال إلقائه خطاب قطر أمام الدورة الـ54 للجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، حيث استهل حديثه بالتعبير عن الأسى للأوضاع العالمية الراهنة، مشيرا إلى استمرار الأزمات دون حلول جذرية.
وأكد الوزير أن هذه الدورة تُعقد في نهاية القرن العشرين، وهو توقيت كان من المفترض أن يشهد استعداد العالم لدخول قرن جديد بطموحات مختلفة، لكن التحديات التي تواجه المجتمع الدولي ظلت كما هي منذ أكثر من نصف قرن.
وأضاف بأسى: “هذا الوضع يدعو إلى الحزن، بل وحتى إلى الغضب، ويُظهر أننا جميعا – دولا وشعوبا ومنظمات- لم نتعلم بشكل كافٍ من دروس الماضي، ولم نتجاوز حدوده أو نقائصه”.
وباستنكار تساءل: “ننظر إلى عالمنا اليوم، فماذا نرى؟”، ليجيب: “نرى صراعات دامية لم نستطع إنهاءها، وأزمات مزمنة لا تزال تنتظر حلولا جذرية. والأخطر من ذلك، نجد العالم مترددا أو عاجزا عن مواجهة قضايا تتجاوز السياسة اليومية لكنها تهدد مستقبل البشرية بأسره”.
تحديات وتهديدات
وعدد حمد بن جاسم تحديات لا يزال المجتمع الدولي عاجزا عن معالجتها، مما يضطره لحملها معه إلى الألفية الثالثة.
وقال إن هذا يشمل الفقر، والبطالة، والأمية، وانتشار الأمراض والأوبئة، والتهديدات البيئية والمناخية، وندرة الموارد الطبيعية، والجريمة المنظمة، والإرهاب، وتجارة المخدرات، والانفاق المبالغ فيه على التسلح خاصة في الدول النامية والفقيرة، مؤكدا أن هذه التحديات تتطلب جهودا جماعية لمعالجتها.
وتساءل مستنكرا: “هل استوعبنا كما يجب التهديدات المتمثلة في انتشار أسلحة الدمار الشامل واحتمالات استخدامها في أي وقت وأي مكان؟ وهل بدأنا بالفعل في صياغة توجهات عالمية شاملة لمواجهة هذه التهديدات التي لا تعترف بالحدود السياسية أو الجغرافية ولا تفرق بين الدول والشعوب؟”.
كما أبدى تساؤلات إضافية حول مدى قدرة المجتمع الدولي على تعديل جداول أولوياته لتحقيق أهداف التنمية، والتقدم، والتعليم، والصحة، والارتقاء بمستويات المعيشة، في مواجهة النزاعات والخلافات التي تعيق هذه الطموحات.
وأشار إلى أن ما يطرحه ليس انتقادا أو اتهاما لأحد، بل وصف للواقع الذي يتطلب تكاتف الجميع لمواجهته.
واعتبر أن الأمم المتحدة تظل الإطار الأفضل والأكثر شمولية لمعالجة هذه القضايا والتحديات، بشرط أن نوفر لها ولهيئاتها كل الإمكانات المطلوبة لجعلها قادرة على لعب هذا الدور المهم.
إصلاح الأمم المتحدة
وفي هذا السياق، شدد حمد بن جاسم على أهمية إصلاح منظومة الأمم المتحدة وتعزيز كفاءة مؤسساتها وهيئاتها، داعيا الدول الأعضاء إلى تحمل مسؤولياتها السياسية والمالية تجاه المنظمة.
كما أكد دعم قطر لفكرة توسيع عضوية مجلس الأمن وجعله أكثر تمثيلا وديمقراطية، بما يواكب تغيرات العصر.
أيضا، أعرب عن تأييد بلاده لتوسيع العضوية الدائمة في المجلس لتشمل تمثيلا عالميا أكثر شمولا.
وشدد على ضرورة تقييد استخدام سلطة النقض (الفيتو) وتنظيمها ضمن شروط وضوابط محددة تضمن تحقيق العدالة وتحقيق مصالح المجتمع الدولي ككل.
وتأسس مجلس الأمن عام 1945 عقب نهاية الحرب العالمية الثانية؛ بهدف الحفاظ على السلم والأمن الدوليين ومنع تكرار النزاعات العالمية الكبرى.
ويضم المجلس 15 عضوا، منهم 10 أعضاء غير دائمين يتم انتخابهم من قبل الجمعية العامة للأمم المتحدة لمدة سنتين وفقا لتوزيع جغرافي، إضافة إلى5 أعضاء دائمين يتمتعون بسلطة النقض (الفيتو)، وهم: الولايات المتحدة، روسيا، الصين، المملكة المتحدة، وفرنسا.
وتم اختيار الأعضاء الدائمين استنادا إلى مكانتهم كقوى منتصرة في الحرب العالمية الثانية، إلا أن منحهم سلطة الفيتو بشكل حصري جعل قرارات المجلس عرضة لهيمنة هذه الدول، حتى لو كانت مخالفة لرغبة الأغلبية الساحقة من الأعضاء الآخرين.
ويعكس هذا الوضع خللا جوهريا في هيكل المجلس؛ حيث يُمكن لأي عضو دائم تعطيل أي قرار يتعارض مع مصالحه الوطنية، مما يحد من قدرة المجلس على تحقيق العدالة والمساواة بين الدول، ويثير انتقادات واسعة حول مدى عدالة النظام الدولي الذي يقوم عليه.
خطوة للعولمة المطلوبة
ورأى حمد بن جاسم، في خطابه، أن توسيع عضوية مجلس الأمن وتقييد استخدام حق النقض (الفيتو) يمثلان “خطوة أساسية وحيوية نحو تكريس العولمة بمفهومها الصحيح كما ينبغي أن تكون في القرن الحادي والعشرين”.
وأوضح الوزير أن العولمة “يجب أن تكون أداة لتحقيق المنفعة العامة لجميع الدول والشعوب، دون تمييز أو استثناء”، محذرًا من أن اقتصار فوائدها على دول ومجتمعات بعينها سيؤدي إلى فشلها في تحقيق أهدافها.
وأضاف: “نحن نؤمن بأن العولمة ينبغي أن تكون وسيلة لتعزيز التعاون والتفاعل والانفتاح بين شعوب العالم ومجتمعاته، بحيث تبقى بعيدة عن دائرة الاستغلال الضيق والمصالح السريعة، وتتحول إلى مسار عالمي تعود منافعه على الجميع”.
وأشار إلى أن الأمم المتحدة، في هذا السياق، أمامها دور حيوي في القرن الحادي والعشرين، يتمثل في قيادة الاتجاه نحو عولمة شاملة تحقق الفائدة الجماعية.
وأوضح أن هذا الدور يمتد ليشمل مجالات مثل: التعاون الثقافي والتربوي، التنمية الاقتصادية والاجتماعية، الدفاع عن حقوق الإنسان، تعزيز السلام والاستقرار العالمي، وترسيخ أسس الانفتاح الحضاري بين الأمم والشعوب.
وأكد أنه “إذا استطعنا تحقيق ذلك، فسنكون قد بدأنا فعليًا في اتخاذ الخطوات الأولى نحو إقامة نظام دولي جديد يتسم بالعدالة والشمولية”.
وتطرق وزير الخارجية القطري إلى مرحلة ما بعد الحرب الباردة، مشيرا إلى أن العالم كان يأمل في ظهور نظام دولي جديد بعد انتهاء حقبة الاستقطاب الدولي التي سيطرت على المشهد العالمي لنصف قرن عقب الحرب العالمية الثانية.
لكنه عبّر عن أسفه لأن هذه الآمال لم تتحقق، بل سرعان ما انزلق العالم في دوامة جديدة من النزاعات والخلافات الداخلية والثنائية والإقليمية.
وأرجع هذه الصراعات إلى الفراغ الدولي الذي خلفته نهاية الحرب الباردة؛ مما أدى إلى تفاقم الأزمات المزمنة التي يعاني منها العالم منذ عقود.
وأوضح أن هذه الأزمات، التي تشمل الصراعات التاريخية المتجذرة، لا تزال تبحث عن حلول ناجعة تكفل وضع حد لها.
العالم الذي نصبو إليه
وفي حديثه عن المستقبل والعالم الذي نصبو إليه، شدد حمد بن جاسم على أهمية تبني خطوات وقائية واستباقية لمعالجة الأزمات قبل تفاقمها، بدلا من الاكتفاء بالتدخل بعد وقوع الكوارث، قائلاً: “لا ينبغي أن نعمل تحت شعار إنقاذ ما يمكن إنقاذه فقط”.
ودعا إلى تعزيز الجهود الدولية الرامية إلى تسوية الأزمات وإنهاء الحروب والنزاعات، مؤكدًا أن قطر تؤمن بحق الشعوب في العيش بحرية وسلام، وتسعى إلى بناء علاقات دولية قائمة على الصداقة، التعاون، الاحترام المتبادل، المصالح المشتركة، وحسن الجوار.
وأوضح الوزير أن قطر تتبنى موقفًا واضحًا وثابتًا يدعو إلى تسوية الخلافات في منطقة الخليج بالوسائل السلمية، سواء من خلال الحوار والتفاوض أو عبر التحكيم الدولي، بما يضمن تعزيز الأمن والاستقرار في المنطقة.
وأعرب عن ارتياح بلاده لبعض التطورات الإيجابية التي شهدها العالم مؤخرًا، مشيرا بشكل خاص إلى التقدم المحرز في تسوية قضية لوكربي.
وهنأ الجماهيرية الليبية على هذا الإنجاز، معربا عن أمله في أن يُغلق هذا الملف نهائيا في أقرب وقت، وبما يضمن حقوق ومصالح جميع الأطراف المعنية.
في 5 أبريل/نيسان 1999، سلمت ليبيا اثنين من مواطنيها، هما عبد الباسط المقرحي والأمين فحيمة، لمحاكمتهما أمام محكمة خاصة في هولندا بتهمة تفجير طائرة الركاب الأمريكية بان آم الرحلة 103 فوق بلدة لوكربي في اسكتلندا عام 1988، مما أسفر عن مقتل 270 شخصا.
وفي أعقاب هذا الإجراء، علقت الأمم المتحدة العقوبات الدولية المفروضة على ليبيا يوم 8 أبريل/نيسان 1999، كخطوة أولى نحو تسوية القضية دبلوماسيًا وإعادة دمج ليبيا في المجتمع الدولي.
ومع ذلك، أشار حمد بن جاسم إلى أن الوضع الإقليمي في منطقة الشرق الأوسط لا يزال بعيدا عن تحقيق السلام الشامل والاستقرار الدائم، فضلا عن أطر التعاون والتنمية التي تطمح إليها الدول والشعوب.
وفي هذا السياق، لفت إلى استمرار الأزمة العراقية وتداعياتها السلبية على الأمن والاستقرار في المنطقة، بالإضافة إلى المعاناة الإنسانية القاسية التي يعيشها الشعب العراقي.
وأكد أن الوقت قد حان لوضع حد لهذه الأزمة من خلال حلول ناجحة تضمن رفع العقوبات المفروضة على العراق وإنهاء معاناة شعبه، مع الحفاظ على وحدة أراضيه وسيادته.
وشدد على أن قطر تدعم دائمًا الحلول الدبلوماسية وفقا للقرارات الدولية، التي تضمن الأمن والاستقرار في العراق والمنطقة ككل، بعيدًا عن أي تصعيد أو أزمات إضافية تزيد من معاناة الشعوب.
القضية الفلسطينية
وتطرق حمد بن جاسم، في خطابه، إلى القضية الجوهرية التي تمثل المصدر الرئيسي للتوتر في المنطقة منذ أكثر من نصف قرن، وهي القضية الفلسطينية والصراع العربي الإسرائيلي.
وأكد أن قطر، إلى جانب أشقائها العرب، اختاروا السلام كخيار استراتيجي ثابت، وما زالوا ملتزمين به.
لكنه أبدى أسفه لأن عملية السلام لم تحقق النتائج المرجوة حتى الآن، بل تعرضت لنكسات متتالية بسبب السياسات التي انتهجتها الحكومة الإسرائيلية السابقة برئاسة بنيامين نتنياهو، التي تراجعت عن التزاماتها وعرقلت أي تقدم حقيقي في المفاوضات.
ورحب بالتغيرات السياسية الأخيرة في إسرائيل عقب الانتخابات، مع تولي الحكومة الجديدة برئاسة إيهود باراك، التي أعلنت نيتها العمل على تحقيق السلام بجدية أكبر.
لكنه شدد على أن هذه النوايا يجب أن تُترجم إلى خطوات ملموسة تثبت حسن النوايا والالتزام بتنفيذ الاتفاقات السابقة على جميع المسارات التفاوضية.
وأشار إلى ضرورة استئناف المفاوضات على المسارين السوري واللبناني بأسرع وقت ممكن، استنادًا إلى قرارات الشرعية الدولية ومبدأ “الأرض مقابل السلام”.
وأعاد التأكيد على موقف قطر الثابت، الذي عبر عنه أمير دولة قطر، الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، بأن لا حل للصراع ولا سلام في المنطقة إلا من خلال تسوية شاملة وعادلة ودائمة تستند إلى الثوابت التي انطلقت منها العملية السلمية.
وأوضح الوزير أن هذا يعني تطبيق قرارات مجلس الأمن (242، 338، و425)، وانسحاب إسرائيل الكامل من الأراضي المحتلة، بما في ذلك مرتفعات الجولان السورية وجنوب لبنان وبقاعه الغربي.
كما أكد على حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره وإقامة دولته المستقلة وعاصمتها القدس الشريف، المدينة التي تمثل رمزًا للتسامح والسلام.
وأضاف أن السلام لا يمكن أن يكون من طرف واحد، ولا يجب أن تقتصر منافعه على جانب دون الآخر.
وأعرب عن تطلعه إلى يوم يتحقق فيه السلام الشامل والمتوازن في المنطقة، بما يعود بالنفع على جميع شعوبها ودولها دون استثناء.
وفي هذا السياق، أعرب عن قلقه إزاء استمرار وجود أسلحة الدمار الشامل في المنطقة، وخاصة الأسلحة النووية التي تحتكرها إسرائيل.
وأكد أن هذا الوضع يشكل تهديدًا خطيرًا للسلام والأمن الإقليميين.
ودعا إلى إزالة جميع أسلحة الدمار الشامل من المنطقة، مع انضمام إسرائيل إلى المعاهدات الدولية ذات الصلة.
وختم الوزير بالتعبير عن أمله في “رؤية شرق أوسط جديد يدخل الألفية الثالثة بثبات، قائما على السلام والأمن والديمقراطية، شرق أوسط يحترم تعددية الآراء وحق الشعوب في تقرير مصيرها، ويضمن لها العيش بحرية وكرامة، بما يتماشى مع معتقداتها وقيمها”.
