في تصريحات لقناة “الجزيرة” من واشنطن .. حمد بن جاسم: العالم العربي يفتقر إلى القوة الكافية لمساعدة الفلسطينيين وعلى أمريكا إنهاء العنف الإسرائيلي
واشنطن- 23 يناير/كانون الثاني 2002
أقر وزير الخارجية القطري حمد بن جاسم بن جبر آل ثاني، الأربعاء 23 يناير/كانون الثاني 2002، بأن العالم العربي يفتقر حاليا إلى القوة الكافية لمساعدة الفلسطينيين، ولا يملك سوى “التوسل” إلى الولايات المتحدة للتوصل إلى تسويه تنهي العنف الإسرائيلي بحقهم.
وقال حمد بن جاسم في مقابلة مع قناة “الجزيرة” من واشنطن: “نحن أمة لا تستطيع في الوقت الراهن مساعدة الفلسطينيين في نزاعهم مع إسرائيل، لذلك يتعين علينا أن نتوسل إلى الأمريكيين للتوصل إلى تسوية، وكلمة توسل تزعجني لكنها البديل الوحيد”.
وأكد أن العالم العربي، في ظل وضعه الراهن، لا يملك أوراق ضغط فعلية لدعم الشعب الفلسطيني، منتقدا استمرار عمليات القتل التي يتعرض لها الفلسطينيون على يد القوات الإسرائيلية.
رفض تنحية عرفات
في سياق متصل، رفض حمد بن جاسم الدعوات الإسرائيلية إلى تنحية الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات، مشددا على أنه رئيس منتخب ولا يجوز استبداله بقرارات خارجية.
وأشار إلى أن عرفات “يمثل الفلسطينيين تماما مثلما يمثل (رئيس الوزراء) أريئيل شارون الإسرائيليين”، مشددا على أنه “ليس من مصلحة الأمريكيين ولا العرب استبداله”.
وتساءل مستنكرا: “إذا أسقطنا ورقة عرفات، فهل يتعين علينا إسقاط ورقة شارون أيضا، أم أن ذلك سيعتبر تدخلا في الشؤون الاسرائيلية؟!”.
واعتبر أن “الدعوة لإيجاد بديل لعرفات هي أيضا تدخل في الشأن الفلسطيني، لأن الشعب الفلسطيني وحده صاحب القرار في هذا الأمر”.
وأكد على “ضرورة استمرار الرئيس عرفات في عمله ودعمه والوصول معه إلى نتيجة، فهذا هو الحل الافضل الذي يمكن أن تتحقق من خلاله العملية السلمية، لأنه أثبت في السابق أنه يريد السلام”.
وبشأن ما لمسه خلال مباحثاته في واشنطن بشأن موقف المسؤولين الأمريكيين من عرفات وما يثار عن إيجاد بديل له، قال حمد بن جاسم: “لا أسمح لنفسي بالحديث عن بديل لأي رئيس في السلطة. هذا شأن داخلي للدولة المعنية”.
لكنه أضاف أنه وجد بعض التململ لدى الأمريكيين مما يعتبرونه “خرقا” من عرفات لبعض الاتفاقيات.
وأشار إلى أنه أوضح للمسؤولين الأمريكيين أنه “إذا كانت هناك خروقات فإن سببها هو شارون، لأن الأسلوب الذي يستعمله ضد الفلسطينيين لا يمكن أن يجعلهم يقفون مكتوفي الأيدي”.
ومضى قائلا: “إذا كان هناك عجز لدى السلطة الوطنية الفلسطينية أو الرئيس عرفات في السيطرة على الشارع، فان سبب ذلك هو تصرفات شارون”.
المخرج الوحيد للأزمة
وأعرب حمد بن جاسم عن اعتقاده بأن المخرج الوحيد للأزمة الحالية في الأراضي الفلسطينية المحتلة هو “عمل الطرفين بجدية مع الوسيط الأمريكي في عملية السلام الجنرال أنتوني زيني للتوصل إلى التهدئة، ومن ثم بدء المفاوضات الجادة المباشرة بالمشاركة الأمريكية، وبدعم من جميع دول المنطقة”.
ولفت إلى أنه نبه المسؤولين الأمريكيين خلال زيارته الحالية لواشنطن، إلى أن عملية السلام “قضية مهمة جدا”، وأن جميع الأطراف أيدتها بسب الدعم الامريكي لها.
وشدد على أهمية دور الولايات المتحدة كضامن لعملية السلام، قائلا: “أمريكا هي الضامن، وعليها أن تنشط وتستثمر خبرة زيني الذي يعد شخصية مناسبة لهذه المهمة”.
وأكد أن لدى الإدارة الأمريكية رغبة في تهدئة الأوضاع، واستمرار جهود الوساطة.
وردا على سؤال حول ما إذا كان زيني سيتوجه إلى الشرق الأوسط قريبا بمقترحات جديدة، قال وزير الخارجية القطري إن “هناك مقترحات أمريكية موجودة لدى الطرفين الإسرائيلي والفلسطيني بالفعل، لكن هناك مطالب لدى الجانبين بشأن هذه المقترحات”.
وأضاف أن على كل من إسرائيل والسلطة الفلسطينية العمل بجد للخروج من الأزمة، لكنه أكد أن الفلسطينيين “ظُلموا كثيرا فهم يقتلون من قبل الحكومة الإسرائيلية لأسباب واهية”.
وشدد في هذا السياق على ضرورة وقف “حمامات الدم”، قائلا: “لا بد من إنهاء سفك الدماء من الجانبين، فهذا هو الطريق الوحيد للخروج من الأزمة، خاصة وأنه لا توجد لدينا كعرب بدائل حقيقية في الوقت الراهن”.
العلاقات بعد 11 سبتمبر
وعن علاقات منطقة الخليج بالولايات المتحدة بعد هجمات 11 سبتمبر/أيلول 2001، لفت حمد بن جاسم إلى أن هذا الموضوع كان من أهم النقاط التي ناقشها مع الإدارة الأمريكية.
وقال إن “الحديث دار حول وجود شراكة خليجية أمريكية قديمة، ونحن حريصون على استمرار هذه الشراكة على أساس التفاهم والاحترام المتبادل”.
وأوضح أنه “نشأت لدى المجتمع الأمريكي بعد هجمات 11 سبتمبر/أيلول 2001 مشكلة جعلته يعتقد بأنه قد ضُرب من قبل حلفائه، لكن في حقيقة الأمر هذا قد يحدث في أي مكان، وقد يقوم به أمریكیون أو أناس من أي جنسية أخرى”.
وتابع: “يجب ألا يدور البحث أو التراشق حول المسؤولية عن تلك الأحداث، لكن يجب أن يتركز البحث على إيجاد حل ودراسة كيفية عدم تكرار ما حدث، وهذا لا يتم إلا إذا كان هناك حوار صريح توضع خلاله النقاط على الحروف، وهذه الطريقة تجنبنا الوقوع في أي اشكالات مستقبلية”.
وحول تداعيات هجمات 11 سبتمبر، قال حمد بن جاسم إن تلك الأحداث خلفت “جرحا عميقا” في المجتمع الأمريكي، مشيرا إلى أن هذا الجرح “غيّر الكثير من المفاهيم”.
وأوضح: “الشعب الأمريكي مجروح لأنه كان يتمتع بحرية معينة لم يعد يتمتع بها الآن، وهذا أمر يجب أن نتفهمه، كما لابد من تفهم أن العرب والمسلمين ليسوا جميعا مجرمين ولا إرهابيين.. وهذا الانطباع يجب أن يزول ولن يزول إلا بالتفاهم لان التراشق من خلال الاعلام لن يؤدي الى نتيجة، بل سيزيد الفجوة بين الجانبين”.
الوجود العسكري الأمريكي
وحول الوجود العسكري الأمريكي في منطقة الخليج، لفت حمد بن جاسم إلى أن هذا الوجود “قائم على اتفاقيات قديمة، بعضها أُبرم بعد احتلال الكويت”.
وقال: “نحن نحترم هذه الاتفاقيات التي أعلنا تفاصيلها بشكل واضح، وهي ليست سرا”.
وأضاف: “نعتقد أن أمريكا حليفا مهما لنا، ويجب التعامل معها من هذا المطلق، لكن يجب أن يكون هناك احترام وفسحة لأي طرف لأن يبدي أراءه بحرية لأنها قد لا تتفق مع الطرف الآخر.. غير أن ذلك لا يفسد للود قضية”.
لقاء مع زيني
والثلاثاء، التقى حمد بن جاسم الجنرال زيني في واشنطن، ودعاه إلى مواصلة مهامه لتقريب وجهات النظر بين الإسرائيليين والفلسطينيين، وفق ما أفادت به وكالة الأنباء القطرية.
وذكرت الوكالة أن وزير الخارجية القطري أطلع المبعوث الأمريكي على “الأوضاع المتردية في الأراضي الفلسطينية، وما يعانيه الشعب والحكومة الفلسطينية من أضرار جرّاء الحصار الإسرائيلي المفروض عليهم”.
وأضافت الوكالة أن حمد بن جاسم “حث الجنرال زيني على الاستمرار في المهام الموكلة إليه لتقريب وجهات النظر بين الفلسطينيين والإسرائيليين”.
ورغم أن زيني أكد لوزير الخارجية القطري استمراره في أداء المهام الموكلة إليه حتى تحقيق النجاح لها، إلا أنه لم تظهر مؤشرات خلال الساعات الماضية تدل على استعداده لاستئناف مهمته قبل تلقيه إشارة واضحة من الجانب الإسرائيلي.
وكان زيني قد غادر المنطقة في السادس من الشهر الجاري، واعدًا بالعودة “في مستقبل قريب”، لكن واشنطن لم تحدد حتى الآن أي موعد جديد لعودته.
أمريكا ترفض طلبا لعرفات
في السياق ذاته، رفضت الولايات المتحدة الثلاثاء طلبا من الرئيس عرفات بالإسراع في إعادة المبعوث الأمريكي الجنرال أنتوني زيني إلى المنطقة.
وخلال اتصال هاتفي، جدد باول مطالبته للرئيس الفلسطيني بتقديم تفسير لشحنة الأسلحة التي صادرتها إسرائيل في وقت سابق من الشهر، محمّلا عرفات المسؤولية عنها.
وفي 3 يناير/كانون الثاني 2002، تحدثت إسرائيل عن اعتراض سفينة محمّلة بالأسلحة في البحر الأحمر، مدعية أنها مملوكة للسلطة الفلسطينية وكانت متجهة إلى قطاع غزة.
لكن السلطة الفلسطينية نفت تورطها في الأمر، وقالت إن لا علاقة لها بالسفينة أو بالشحنة، واتهمت إسرائيل بمحاولة تشويه صورة عرفات وتقويض الجهود الدبلوماسية.
وفي هذا الصدد، قال المتحدث باسم الخارجية الأمريكية ريتشارد باوتشر، في تصريحات صحفية الثلاثاء، إن على عرفات تقديم تفسير واضح بخصوص شحنة الأسلحة، وإنه مسؤول عن إجراء تحقيق في الأمر ومحاسبة المسؤولين عنه.
وأضاف باوتشر أن باول استغل الاتصال لتأكيد الحاجة إلى اتخاذ خطوات جدية ضد “الجماعات التي ترتكب أعمال العنف”.
واعتبر أن تنفيذ هذه المطالب يمثل أحد الشروط الأساسية لاستئناف محادثات السلام، مؤكدا أن واشنطن “لم تشهد حتى الآن أي جهود فعالة ومتواصلة لوقف العنف”.
توضيح حول جدل “التوسل”
وفي حديث أدلى به في وقت لاحق الخميس لقناة “الجزيرة”، أوضح حمد بن جاسم ما أُثير من جدل إعلامي حول تصريحاته التي قال فيها إن العرب لا يستطيعون مساعدة الفلسطينيين، وإن عليهم أن “يتوسلوا” إلى الولايات المتحدة لوقف العنف.
وقال: “يسعدني أن أوضح ما جاء في تصريحي بصورة أشمل، وخصوصا ما يتعلق بصمود الشعب الفلسطيني، الذي لم أُسئ له في شيء، بل على العكس، فقد أكدت أنه الشيء المضيء وغير المخجل في الموقف العربي. أما قولي (التوسل)، فكان لأنه، للأسف، نحن أمة شبه مهزومة في الوقت الحاضر”.
وأضاف: “لكنني لم أقصد بالتوسل الاستسلام أو الرضوخ لمطالب شارون. نحن نتوسل لأننا نرى يوميا الدماء الفلسطينية تُسفك، ولا نملك وسيلة لوقف ذلك. أنا جزء من هذه الأمة كمواطن عربي ومسؤول، وأعتقد أن هناك موقفًا يجب أن يُتخذ من قبل الدول العربية”.
وأوضح أن مقصده من كلمة “التوسل” هو “تحريك الأمور، وشرح الموقف العربي السلبي بشفافية”، مؤكدا: “جئت إلى أمريكا بتكليف من سمو الأمير ومن المؤتمر الإسلامي، لبحث كيفية تحريك الموقف، وليس لدينا قوة سوى ذلك”.
وردا على سؤال حول استخدامه كلمة “توسل” بدلًا من “رجاء”، وما إذا كان من الأفضل توجيه هذا التوسل إلى القيادات العربية المتخاذلة بدلًا من الإدارة الأمريكية، قال وزير الخارجية القطري: “التوسل هو نفسه الترجي. ونحن نتوسل إلى الوسيط الأمريكي، لأنه الطرف الوحيد القادر على ردع شارون ووقف حمام الدم في فلسطين”.
وتابع: “هذا ما يمكنني فعله عمليا. لا نستطيع أن نحارب، ولا نستطيع أن نُساند، ولا نستطيع أن نُخرج عرفات من الحصار. لذلك، أصر على استخدام الكلمة، لأنها دعوة لتحرك الزعماء العرب والشارع العربي، ليس بأسلوب انفعالي، بل بطريقة مسؤولة تهدف إلى إنقاذ الفلسطينيين من هذه الأزمة”.
وأردف: “إذا كان هناك سلاح، فهو سلاح المقاومة داخل فلسطين، أما السلاح العربي فهو غائب، وهذه هي الحقيقة”.
وعند سؤاله عما إذا كان مقتنعًا بأن هذا التوسل سيُفضي إلى نتائج مع واشنطن، أجاب: “لا أستطيع أن أُبرر بأنه سيؤدي إلى نتائج، لكننا نعمل ونبذل الجهد. لقد التقيت اليوم أكثر من مسؤول أمريكي في هذا الاتجاه، لأنه من الضروري أن يكون هناك تحرك أمريكي تجاه تجاوزات إسرائيل، وبدء مفاوضات بين الطرفين. وإذا كان لدى أحد حل آخر أو بديل، فليبلغنا به، ونحن مستعدون للسير خلفه”.
مصادر الخبر:
–واشنطن ترفض عودة زيني وتصعد ضغوطها على عرفات
–أرشيف القدس العربي .. عدد رقم 3947 بتاريخ 24 يناير 2002
–أرشيف القدس العربي ..عدد رقم 3948 بتاريخ 25 يناير 2002
–أرشيف القدس العربي..عدد رقم 3949 بتاريخ 26 يناير 2002
