خلال جلسة نقاشية بمنتدى دافوس..حمد بن جاسم: التعليم خط الدفاع الأول ضد التطرف بعد هجمات 11 سبتمبر
دافوس- 4 فبراير/شباط 2002
جاءت تصريحات حمد بن جاسم خلال مشاركته في جلسة نقاشية بعنوان “مستقبل الإسلام” ضمن فعاليات منتدى دافوس الاقتصادي العالمي، حيث تناول تأثيرات هجمات 11 سبتمبر/أيلول 2001 في الولايات المتحدة على العالم الإسلامي، وضرورة معالجة الأسباب العميقة للتطرف من خلال تطوير المناهج التعليمية وغرس القيم الإيجابية في الأجيال الناشئة.
فهم أسباب التطرف
خلال حديثه، قال وزير الخارجية القطري إن التركيز، خلال هذه الحلقة النقاشية، يجب أن ينصب على فهم أسباب التطرف، خاصة بعد هجمات 11 سبتمبر.
وأشار إلى أن العالم استيقظ بعد ذلك اليوم المأساوي ليجد أن منفذي هذه الهجمات كانوا من المسلمين، مما أدى إلى جدل واسع وجهود متواصلة للتأكيد على أن هؤلاء الأفراد لا يمثلون الإسلام الحقيقي.
وأضاف: “في المقابل، هؤلاء الأفراد يدّعون أننا نحن من يسيء تمثيل الإسلام، مما يؤدي إلى صراع حاد وسرديات متضادة”.
وأكد على أهمية معالجة هذه المشكلة من جذورها، قائلا: “السؤال الأساسي هو كيف نمنع وقوع أعمال مماثلة، حيث تستخدم مجموعات معينة العنف لإثبات شرعيتها وجذب الانتباه”.
وأعرب عن قلقه من مساعي الإرهابيين لتقسيم العالم إلى مسلمين وغير مسلمين، مشددا على ضرورة التصدي لهذا الانقسام ومنع نجاحهم في ذلك.
وأضاف: “إذا سمحنا بهذا الانقسام، فقد نجحوا بالفعل”.
وشدد بن جاسم على الحاجة لتثقيف الأجيال الجديدة من أبنائنا وتوعيتهم بأن هذه الأعمال خاطئة، بينما يتبنى الإرهابيون أساليب تعليمية تغرس في أبنائهم أن “الآخر” هو العدو وأن أعمال العنف مبررة.
وأكد أن معالجة هذه القضية لا يمكن أن تتم عبر الاجتماعات والمناقشات فقط، بل يجب معالجتها من جذروها عبر بناء نظام تربوي يعتمد على قيم عالمية موحدة ويخلو من الانقسامات الدينية، معتبرا أن الدين في نهاية المطاف هو أمر شخصي يتعلق بمعتقدات كل فرد.
وقال: “يجب أن ينصب تركيزنا على غرس القيم العالمية في شبابنا، حيث إن الإرهاب غالبا ما يبدأ مع الشباب، في سن 18 أو 20 عاما، وفي هذا العمر، يكونون قد تعرضوا لغسل دماغ طويل يجعلهم يعتقدون أن قتل الأبرياء أمر مبرر”.
وأضاف: “هذا النوع من التفكير لا يتشكل بين ليلة وضحاها؛ إنه نتيجة لتعليم مستمر ومقصود. لذلك، رسالتي هي أن أدعو الجميع إلى معالجة هذه القضية من جذورها؛ حيث يتوجب علينا العمل على تربية الجيل القادم بطريقة تعزز التفاهم والسلام”.
التعليم بالعالم الإسلامي
وتطرق حمد بن جاسم في هذا الصدد إلى وضع التعليم في العالم الإسلامي، وخاصة في الدول التي تعتبر جديدة نسبيا في منطقتنا.
واعتبر أنه “من المهم الإقرار بأن أنظمتنا التعليمية لا تزال في مرحلة التطور، فأسس التعليم في منطقتنا بدأت فقط قبل 30 أو 40 عاما، ومع ذلك، فإنها عملية مستمرة من التحسين والتقدم”.
وأضاف: “في الولايات المتحدة وأوروبا، تطور التعليم على مدار فترة طويلة، بينما نخوض نحن الآن عملية تحول كبرى لأنظمتنا التعليمية”.
وأشار إلى أن قطر على سبيل المثال تسعى لتحسين جودة التعليم مع الحفاظ على قيمها الثقافية.
وأضاف: “نعمل على إدخال مؤسسات تعليمية عالمية مثل جامعة كورنيل وجامعة نورث كارولاينا الأمريكيتين لتقديم شهادات تعادل تلك التي تُمنح في الولايات المتحدة، إلى جانب استقدام جامعة فرنسية بهدف توسيع آفاق التعليم لدينا”.
وبيّن أن الهدف من هذه الجهود هو خلق بيئة تعليمية شاملة تتيح للشباب أن يكونوا أعضاءً منتجين وقادرين على المنافسة في المجتمع العالمي، وذلك عبر تحقيق توازن بين تبني المعايير التعليمية العالمية وحماية الهوية الثقافية القطرية.
وأكد على ضرورة ألا يكون التعليم أداة لنشر أفكار تحدّ من مشاركة الشباب في المجتمع الدولي، بل يجب أن يكون وسيلة لتعزيز القيم الأساسية والمهارات العملية بدلا من الترويج للنقاشات الأيديولوجية.
وأضاف قائلا: “من المهم أن يزوّد نظامنا التعليمي شبابنا بالمهارات اللازمة لبناء الثروة والمشاركة الفعالة عالميا”.
ولفت أيضا إلى أن قطر وفي إطار جهودها لبناء أساس تعليمي قوي، عملت خلال السنوات الأخيرة على إدخال إصلاحات على المدارس الابتدائية والثانوية، وإنشاء مدارس متخصصة تستهدف الطلاب ذوي التحصيل العالي، لضمان إعدادهم بشكل جيد للالتحاق بأرقى الجامعات العالمية.
وذكر أنهم في قطر أدركوا أنه كي يتمكن الطلاب في قطر من الوصول إلى المعايير العالية التي وضعتها مؤسسات مثل جامعة كورنيل، وليكونوا على مستوى أقرانهم في نيويورك، فمن الضروري بناء أساس تعليمي قوي بدءا من المراحل الابتدائية والثانوية.
فصل الدين عن الحياة اليومية
وفي سياق حديثه أيضا عن سبل مكافحة التطرف، أكد حمد بن جاسم على أهمية فصل الدين عن الحياة اليومية “إذا كنا نسعى للعيش بسلام”، لكنه شدد على أن ذلك لا يعني تجاهل القيم الأساسية لديننا.
وقال: “في جميع الديانات الإبراهيمية، هناك مبادئ مشتركة قابلة للتطبيق عالميا، مثل الأمانة وإدانة الجرائم، وغيرها”، لافتا إلى أن “روح الدين تشجع على السلوك الأخلاقي، ولا توجد أي ديانة تدعو إلى العنف ضد الأبرياء أو الأعمال الظالمة”.
كذلك أوضح أن الفصل بين الدين والدولة الذي يقصده لا ينبغي أن يعني صراعا بين الجانبين أو أن يرفض أحدهما الآخر، مشددا على ضرورة التعايش بينهما وتطبيق المبادئ الأساسية التي تفيد المجتمع.
وقدم مثالا على هذا الصراع الذي يرفضه، بما يحدث في تركيا؛ حيث يتم تقييد الممارسات الدينية أو منع الإسلاميين من دخول البرلمان.
وقال: “أعتقد أن هذا الوضع يعكس صراعا بين الدين والدولة أكثر من كونه فصلا حقيقيا”.
وحول مبررات هذا الفصل، اعتبر وزير الخارجية القطري أنه “ضروري لتجنب فقدان الانسجام بين الأديان والحضارات”؛ “إذ تختلف الحضارات من منطقة لأخرى وهو ما يتطلب التمييز بين المبادئ الدينية والقواعد التي تنظم الحياة اليومية والمجتمع”.
وأكد على أنه “لا ينبغي لأي شخص فرض معتقداته أو أسلوب حياته على الآخرين، بل ينبغي الالتزام بالمعايير الدولية التي تشمل مكافحة الإرهاب، وتعزيز التجارة العادلة، وضمان حرية التنقل والأنشطة اليومية للأشخاص حول العالم”.
وأضاف: “لكل فرد الحق في اتباع معتقداته، سواء كان مسيحيًا أو يهوديا أو مسلما أو هندوسيا، أو يتبع أي معتقد آخر، ويجب أن نحترم إيمان كل فرد دون فرض أحكام مسبقة”.
كما اعتبر حمد بن جاسم أن الحاجة إلى هذا الفصل تزداد أهمية بالنظر إلى التجارب التاريخية، حيث لعب رجال الدين أدوارا في شؤون الدولة، ما أدى إلى نشوء صراعات لأن الدين أحيانا لا يتماشى مع شؤون الدولة والعكس صحيح.
وقال: “كثيرا ما يستغل البعض الدين للوصول إلى السلطة، مما يؤدي إلى نشوء الصراعات”.
السلطة هدف المتطرفين
واعتبر حمد بن جاسم في هذا الصدد أن ما نشهده اليوم مع الجماعات المتطرفة لا يتعلق حقا بالدين، بل بالسعي للسلطة.
وقال موضحا: “عندما يهاجم المتطرفون الولايات المتحدة، فإنهم لا يستهدفون أمريكا فقط؛ بل يستهدفوننا أيضًا في منطقتنا”، محذرا من أن “هدفهم من وراء ذلك هو خلق الانقسام، مما يسهل عليهم الاستيلاء على السلطة”.
وأضاف: “لذلك، من الضروري الحفاظ على توازن لا يسمح لأي من السلطات الدينية أو الحكومية بالهيمنة على حساب الأخرى.
لذا، شدد على أهمية إيجاد توازن لا يسمح لأي من السلطات الدينية أو الحكومية بالهيمنة، قائلا إن احترام الشراكة بين الطرفين ضروري، حيث يمكن للدين والدولة أن يتعايشان ككيانين منفصلين ولكل منهما استقلاله – مثل امتلاك حسابات بنكية منفصلة – لكنهما يعملان معا لتحقيق الصالح العام.
إحباط الشباب والتطرف
كذلك تحدث حمد بن جاسم عن جاسم عن سبب آخر قد يدفع البعض للتطرف مثل الإحباط الناجم عن الشعور بغياب العدالة تجاه مطالبنا وقضايانا الشرعية أو نقص الديموقراطية.
وأكد في هذا الصدد على حاجة الحكومات العربية والإسلامية إلى “صياغة رؤية واضحة واستراتيجية شاملة تضمن حقوقنا وتساعدنا في إيصال مطالبنا الشرعية بطرق سلمية وبناءة، بعيدا عن العنف والتطرف”.
وحذر من أن الإحباط الناجم عن نقص الديمقراطية وحرية التعبير وغياب التفاعل الجماهيري دفع بعض الأفراد نحو التطرف، لكنه شدد على ضرورة التمييز بين السياقات المختلفة.
وأضاف: “على سبيل المثال، أتحفظ عن وصف بعض الأعمال في فلسطين بالإرهاب، لأن الكثير من الناس هناك يناضلون من أجل حقوقهم. وبالمثل، فإن الصراعات في فرنسا والجزائر تعكس سعي الناس نحو العدالة”.
ودعا المجتمع الدولي إلى دعم هذه القضايا بطرق بناءة تمنع المتطرفين من استغلالها وتقديم حلول عنيفة ومضللة.
واعتبر أن الحوار والتفاوض هما السبيل الأمثل لتحقيق الحقوق، مشيرًا إلى أن العديد من قادة المنطقة يفتقرون إلى الرؤية والاستراتيجية، ليس بسبب عدم القدرة، بل نتيجة لغياب التعاون والحوار الفعّال بينهم.
وبيّن أن أي نقاش مع المجتمع الدولي يجب أن يسبقه حوار داخلي عميق لتحديد رؤية موحدة واستراتيجية واضحة.
