خلال مشاركته بمنتدى دافوس..حمد بن جاسم: الديمقراطية لا تُستورد ونحتاجها من أجل شعوبنا وليس إرضاءً لأمريكا
دافوس- 26 يناير/كانون الثاني 2003
أكد وزير الخارجية القطري حمد بن جاسم بن جبر آل الثاني، الأحد 26 يناير/كانون الثاني 2003، أن الديمقراطية تشكل ضرورة حيوية في المنطقة العربية، لكنها يجب أن تنبع من قناعة داخلية بأهميتها لخدمة الشعوب وتطوير الأنظمة، وليس إرضاءً للولايات المتحدة.
جاءت تصريحات حمد بن جاسم خلال مشاركته في جلسة نقاشية بعنوان “مستقبل الشرق الأوسط” ضمن فعاليات منتدى دافوس الاقتصادي العالمي، حيث أوضح أن الديمقراطية هامة للمنطقة لأنها يمكن أن تلعب دورا محوريا في تعزيز الحوكمة، والحد من الفساد، وتحسين النظام التعليمي، ودعم حقوق الإنسان.
وشارك في الجلسة النقاشية إلى جانب حمد بن جاسم كل من وزير خارجية الأردن مروان المعشر، ورئيس مركز الملك فيصل للأبحاث والدراسات الإسلامية الأمير تركي الفيصل، ورئيس لجنة الشؤون الخارجية في مجلس الشيوخ الأمريكي السيناتور جو بايدن.
إضافة إلى المدير الإداري للمنتدى الاقتصادي العالمي فريدريك سيكر، والرئيس التنفيذي لشركة “إنتيلي بريدج” للاستشارات الاستخباراتية وتحليل المعلومات ديفيد روثكوبف.
القادة العرب والديموقراطية
في رده على سؤال حول توفر الإرادة السياسية لدى قادة الدول العربية لتحقيق تغيير تدريجي نحو الديمقراطية، أجاب حمد بن جاسم: بصراحته المعهودة قائلا
“أعتقد أن بعض القادة يرغبون فعلا في التغيير، بينما البعض الآخر لا يرغب فيه”.
وأضاف موضحا: “هناك من بين القادة من هم مستعدون لتبني إجراءات ديمقراطية في الوقت الحالي بسبب التحديات التي تواجهها المنطقة، سواء كانت داخلية أو نتيجة علاقات مع دول أخرى”.
وحذر من خطورة هذا التوجه، معتبرا أن “الديمقراطية مسألة حساسة للغاية؛ ولا يمكن أن نعد بها شعوبنا ثم نتراجع عنها بمجرد أن تستقر الأوضاع ويشعر القادة بالراحة في مواقعهم مرة أخرى”.
وأشار إلى أن “الديمقراطية عملية تتطلب وقتا وجهدا وصدقا مع شعوبنا حول الكيفية والتوقيت والوسائل التي سنطبقها بها”، مؤكدا على “ضرورة وضع جدول زمني واقعي لتطبيقها”.
وتابع: “لا أستطيع القول إن هناك إرادة سياسية قوية وموحدة في المنطقة الآن لتعزيز الديموقراطية، لكن هناك توجها متزايدا نحو ذلك، وللأسف، يتم أحيانا استغلال هذا التوجه بشكل خاطئ، سواء من جانبنا أو من قبل أطراف خارجية، بما في ذلك الأمريكيين.”
واستطرد مشددا: “الحقيقة هي أننا بحاجة إلى الديمقراطية ليس لإرضاء الأمريكيين، بل لخدمة شعوبنا وتحسين أنظمتنا”.
وتابع: “الاتجاه إلى تعزيز الديموقراطية يجب أن يأتي من قناعة صادقة بأننا نحتاج إليها من أجل شعوبنا وأنفسنا، لا لأنها مفروضة علينا من قبل الآخرين”.
ومضى قائلا: “تعلم كيفية تطبيق الديمقراطية بأنفسنا هو نوع من التعليم الذي يجب أن نتبناه. نحن بحاجة إلى تشجيع من القوى الكبرى، سواء كانت الولايات المتحدة أو غيرها، لكن هذا الدعم يجب أن يبقى بناءً وليس تدخلا.”
وأشار حمد بن جاسم إلى أن تحقيق تقدم في هذه القضايا لا يمكن أن يتم في ظل الكراهية وسوء الفهم بين الجانبين.
وقال: “يجب ألا نعزز الكراهية تجاه الآخرين، ولا ينبغي للآخرين أن يبنوا الكراهية ضدنا. علينا أن نعبر عن آرائنا، سواء كانت صحيحة أم خاطئة، دون إثارة الكراهية بين شعوبنا. فالكراهية تخلق جدرانا يصعب هدمها بمجرد بنائها، ويجب علينا تجنب استخدامها كأداة سياسية سواء في منطقتنا أو في أي مكان آخر.”
الفجوة بين الشرق والغرب
وأعرب حمد بن جاسم عن قلقه إزاء الفجوة المتزايدة بين الشرق الأوسط والغرب، لا سيما مع الولايات المتحدة.
وأضاف: “إذا استمرت هذه الفجوة في الاتساع، سيصبح من الصعب بشكل متزايد إعادة بناء الجسور بيننا. من الضروري الآن أن يعمل كلا الجانبين على سد هذه الفجوة من خلال قول الحقيقة لشعوبنا والاعتراف بمدى حاجتنا لبعضنا البعض. هذه قضية حاسمة.”
وتساءل مستدركا: “لكن هل جميع الدول مستعدة للالتزام بذلك؟”.
قبل أن يجيب: “البعض قد بدأ بالفعل هذه العملية، وإن كانت بوتيرة بطيئة. ومن المهم جدا أن نؤكد على ضرورة الشروع في هذه الرحلة، ووضع جدول أعمال لتحقيق نظام ديمقراطي في نهاية المطاف.”
وعدد حمد بن جاسم الفوائد التي ستعود على المنطقة حال عملت على تعزيز الديموقراطية، بما يشمل “المساهمة في تحسين الحوكمة، وتقليل الفساد، وتعزيز نظام التعليم، وتقوية منظومة حقوق الإنسان”.
الديموقراطية في قطر
وانتقالا إلى الوضع في قطر فيما يتعلق بتعزيز الديمقراطية، أوضح حمد بن جاسم أن سمو الأمير الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، ومنذ توليه السلطة في عام 1995، وضع رؤية طموحة لتطوير البلاد.
وأكد أن هذه الرؤية لم تقتصر على الجانب الاقتصادي فحسب، بل تضمنت أيضا دعم حرية الصحافة، وتشجيع الديمقراطية، ووضع دستور جديد للبلاد.
وأشار إلى أن هذا المشروع واجه تحديات كبيرة نظرا لصغر حجم قطر، لافتا إلى أن البعض قد يرى أن النظام القائم كاف، بينما يعتقد آخرون أن إدخال الديمقراطية أمر ضروري.
وقال: “عندما أتحدث عن الديمقراطية، فإنني أعني نظاما يتم فيه التمسك بمبادئ ديمقراطية واضحة، بغض النظر عن كونه نظاما ملكيا أو غيره.”
وأضاف أن قطر بدأت في هذا المسار قبل بضع سنوات بخطوة أولى تمثلت في تعزيز حرية الصحافة، وهي خطوة ضرورية تتيح للمواطنين والمسؤولين الحكوميين التكيف مع الاستماع إلى آراء مختلفة وغير مألوفة.
وأوضح أن هذه الخطوة كانت صعبة بالنسبة لقطر، التي كانت في السابق تفتقر إلى هذا النوع من الانفتاح الإعلامي، لكنها كانت أساسية ولا غنى عنها، مشيرًا إلى أن العملية تسير بشكل جيد حتى الآن.
تجربة الملكيات بالخليج
وفيما يتعلق بتجربة الملكيات في الخليج، أكد حمد بن جاسم أن الملكيات، رغم الصعوبات، أثبتت نجاحها مقارنة بالعديد من الأنظمة الأخرى في المنطقة، خصوصًا من الناحية الاقتصادية.
لكنه أشار إلى تحديات مستمرة تواجهها هذه الملكيات، مثل تعزيز حقوق الإنسان، ومعالجة حقوق المرأة، وبناء أطر ديمقراطية تتناسب مع المجتمعات الخليجية.
وأوضح أن تحقيق الديمقراطية هو عملية تدريجية تحتاج إلى وقت وحذر، وأنه لا يمكن استيراد نظام جاهز وتطبيقه مباشرةً دون تعديل.
وفي قطر، أشار حمد بن جاسم إلى الانتهاء من صياغة دستور جديد يمهد الطريق لإجراء انتخابات حرة تتيح للرجال والنساء التصويت لمجلس برلماني.
وقال إن هذه الخطوة تمثل المرحلة النهائية تقريبًا من مسيرة الإصلاح التي بدأت قبل خمس أو ست سنوات.
وأضاف: “أعتقد أن الملكيات قادرة على إثبات جدواها بعد تحقيق هذه الإصلاحات الديمقراطية في منطقتنا، حيث يمكنها أن تثبت أنها النظام الأمثل إذا تم تطبيق الديمقراطية بالشكل الصحيح.
وتابع: “نعلم أن هناك ملكيات ناجحة في أوروبا وآسيا، فلماذا لا تكون هناك ملكيات ديمقراطية في منطقتنا أيضًا؟ المهم هو كيفية التزام الملكية بحقوق الإنسان، وحقوق المرأة، وحرية الصحافة، وحرية التعبير، ومحاربة الفساد، فهذه هي القضايا الأساسية التي يجب التركيز عليها.”
قرارات قطر مستقلة
وفي ردّه على سؤال حول ما إذا كانت قطر تواجه ضغوطا من قبل بعض جيرانها التي لا تشعر بالارتياح تماما إزاء وتيرة الإصلاحات في قطر، أكد حمد بن جاسم على سيادة بلاده واستقلالية قراراتها.
وأوضح أن “قطر، رغم كونها دولة صغيرة، تفتخر باتخاذ قراراتها بنفسها وتكرّس جهودها لخدمة شعبها وبلدها بكل الوسائل الممكنة”.
وأضاف أن أي ضغوط قد تتعرض لها قطر لن تؤثر على رؤيتها أو زخمها في مسار الإصلاحات الذي تتبناه في مجالات متعددة، مشيرا إلى أن توجهات البلاد لا تتأثر بالمواقف الخارجية، وأنها مستمرة في تحقيق أهدافها.
واختتم حديثه مؤكدا على التزام قطر بمواصلة مسيرتها الإصلاحية، بقوله: “مهما كانت قراراتنا، وبمشيئة الله، سنواصل المسار. وهذه هي سياسة سمو الأمير.”
