في محاضرة بالمنتدى الأوروبي المتوسطي بباريس.. حمد بن جاسم يدعو إلى بناء تفاهم بين الحضارات بدل الصدام
حمد بن جاسم يدعو إلى بناء تفاهم بين الحضارات بدل الصدام الذي روج له بعض مفكري الغرب، مثل الأمريكي صموئيل هنتنغتون
باريس- 17 يناير/كانون الثاني 2004
دعا النائب الأول لرئيس مجلس الوزراء وزير الخارجية القطري حمد بن جاسم بن جبر آل ثاني، السبت 17 يناير/كانون الثاني 2004، إلى خلق نموذج تفاهم بين الحضارات قائم على التواصل والتفاعل والبناء المشترك، عوضا عن منطق الصدام الذي روج له بعض مفكري الغرب، مثل الأمريكي صموئيل هنتنغتون، معتبرا أن التاريخ الإنساني بات في قارب واحد، فإما أن ننجو معا أو نسقط جميعا في عصر الظلمات.
جاء ذلك خلال محاضرة ألقاها في باريس أمام “المنتدى الأوروبي المتوسطي للعلوم والتنمية والسلام”، الذي ينعقد تحت عنوان “صدام الحضارات… لن يتم”، بحضور عدد من النخب الأكاديمية والسياسية الأوروبية.
رفض أطروحة الصدام
واعتبر حمد بن جاسم أن أطروحة هنتنغتون، التي قسمت العالم إلى حضارات متنافرة وأشارت إلى أن الصدام بينها أمر حتمي، ليست مجرد رؤية فكرية، بل تمثل “منهجا سياسيا” له انعكاسات خطيرة على مستقبل العلاقات الدولية.
ورأى أن الواجب المشترك على دول العالم ومجتمعاته هو تبني نهج “الحوار بين الحضارات” لاجتناب خطر النزاعات، والانطلاق من القيم الكونية التي يشترك فيها بنو البشر.
وأكد أن ما يثير القلق هو تصنيف هنتنغتون للحضارة الإسلامية باعتبارها إحدى أكثر الحضارات خطرا على الغرب، إلى جانب الكونفوشيوسية، محذرا من النتائج الكارثية لمثل هذا التصنيف على التماسك العالمي.
وفي تفنيده لهذا التصنيف، استشهد حمد بن جاسم بآيات من القرآن الكريم توضح أن الإسلام يدعو إلى التعارف بين الشعوب والأمم، وإلى الحوار بالحكمة والموعظة الحسنة لا بالإكراه أو القهر.
ولفت إلى أن “التعارف” يمثل قاعدة أساسية للحوار، ولا يمكن بناء علاقات صحية بين الحضارات دون احترام هذا المبدأ.
وأضاف أن الفروقات بين المسلمين أنفسهم في مناطق مختلفة من العالم تفوق أحيانا تلك التي بينهم وبين غير المسلمين، مما ينفي فكرة وجود كتلة ثقافية موحدة بالمعنى العدائي.
الإسلام مستهدف لأسباب سياسية
وشدد حمد بن جاسم على أن العالم الإسلامي “يُستهدف اليوم بسبب مواقف تتخذها بعض المجموعات لأسباب سياسية لا دينية ولا حضارية”.
ولفت في هذا الصدد إلى أن “أحداث عالمنا المعاصر كشفت عن اختلالات عميقة في طبيعة الرؤية لدى بعض الجماعات الإسلامية، التي تحاول الصدام مع العالم والانقطاع عنه ورفض الاندماج فيه”.
وأضاف: “بعض جوانب هذه الحالة تعكس أزمة فكرية ناشئة عن عدم القدرة على تكوين معرفة صحيحة بالطرف الآخر، أو رسم سبل سوية للتعامل معه”.
وضرب مثالا بهجمات 11 سبتمبر/أيلول 2001 على الولايات المتحدة، قائلا إنها “عمل إرهابي صرف” أودى بحياة آلاف الأبرياء، بمن فيهم مسلمون، ولا يمكن تبريره بأي شكل من الأشكال لا في الإسلام ولا في الأديان السماوية.
وأكد أن الإرهاب ظاهرة عالمية، أصبحت كل الدول سواء إسلامية أو غيرها ساحات محتملة لها.
مسؤوليات متبادلة
وقال الوزير القطري إن تجاوز منطق الصدام يفرض التزام الطرفين – العالم الإسلامي والغرب – بمسؤوليات متبادلة: فبينما يجب على الدول الإسلامية مواجهة التخلف والانغلاق “كي نسهم في تغيير نظرة العالم إلينا”، يتعين على الدول الغربية “نبذ الغطرسة والانفتاح على الآخر”.
واعتبر أن “الشواهد التاريخية للمنطقة العربية في بناء الصرح الحضاري الإنساني معروفة للجميع”، واستشهد في هذا السياق بما قاله الرئيس الفرنسي جاك شيراك خلال كلمته أمام الجمعية العمومية لمنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (يونسكو) عام 2001، حين أشاد بإسهامات الثقافة العربية في مجالات الشعر والمعمار والرياضيات.
وتابع: “يمكنني أن أضيف إلى هذا الإسهام أيضا ما تم في ميادين الفلسفة، والفلك، وعلم الاجتماع، والأدب، والتوثيق، وحتى الدبلوماسية وصياغة المعاهدات”.
التعايش أعمق من الصراع
ولفت حمد بن جاسم إلى أن “الحضارة الإنسانية عبر التاريخ تشكلت كنتاج شراكة إنسانية غير مباشرة، أسهمت فيها كل أمة أو شعب”، مؤكدا أن “حالات التفاعل والتعايش بين الحضارات كانت أعمق وأطول من فترات الصراع”.
وأضاف مستدركا: “نعم، هناك تعددية ثقافية في هذا العالم، وقد يتصارع أصحاب هذه الثقافات، لكن هذا لا يعني أن الصراع أمر حتمي، وعلينا أن ندرك أن الصراع، أو التدافع، غالبا ما ينطلق من دوافع سياسية آنية، لا تمتد في الزمن، وتتغير بتغير الظروف”.
ومع ذلك، أكد حمد بن جاسم على ضرورة الإقرار بأن تعميق هذا المنطق العقلاني غير ممكن إذا استمرت القضايا السياسية والاقتصادية والاجتماعية العالقة، التي تؤزم العلاقات الدولية في وقتنا الراهن، دون حل”.
تحذير من السقوط
ومحذرا، قال حمد بن جاسم: “لقد وصلنا اليوم إلى منعطف تاريخي، ولأول مرة، أصبح التاريخ الإنساني في قارب واحد. وبفضل تطورات عالم اليوم، أصبح كل فرد منا متصلا بالآخر. فإما أن ننجو جميعا، أو نسقط جميعا في عصر الظلمات”.
ودعا في ختام كلمته إلى بناء “نموذج التفاهم الذي يليق بالمستوى الحضاري الذي ننشده جميعا”، مشددا على أنه “لا يمكن أن يكون هذا النموذج صداما حضاريا، بل تواصلا وتفاعلا وبناء مشتركا للحياة الحضارية التي تليق بالإنسان”.
واستشهد بما قاله الشاعر الفرنسي بول إيلوار: “لقد عرفنا الآخر، وعرفناه، معا سوف نبني مصيرنا المشترك.”
وتنعقد ندوة “تصادم الحضارات” بمقر منظمة اليونيسكو بباريس خلال الفترة بين يومي 17 و19 يناير/كانون الثاني الجاري.
وإلى جانب حمد بن جاسم، تشهد الندوة مشاركة لشخصيات بارزة، بما يشمل وزير الخارجية الفرنسي دومينيك دو فيلبان، والأمين العام لمنظمة الفرنكوفونية عبدو ضيوف، والفيلسوف الفرنسي برنار هنري ليفي.
مصادر الخبر:
-حمد بن جاسم أمام ندوة صدام الحضارات.. لن يتم في باريس
-نص كلمة النائب الأول وزير الخارجية في الجلسة الافتتاحية لندوة صدام الحضارات.. لن يتم
-النائب الأول وزير الخارجية يحاضر بندوة تصادم الحضارات لن يتم باليونيسكو–
