في كلمته خلال منتدى دافوس..حمد بن جاسم يستعرض رؤية قطر إزاء الدعوات الأمريكية لفرض الديمقراطية
مشدداً على رفض فرضها من الخارج .. حمد بن جاسم يستعرض رؤية قطر إزاء الدعوات الأمريكية لفرض الديمقراطية ضمن فعاليات منتدى دافوس الاقتصادي العالمي
دافوس، 23 يناير/كانون الثاني 2004
استعرض النائب الأول لرئيس مجلس الوزراء وزير الخارجية القطري حمد بن جاسم بن جبر آل ثاني، الجمعة 23 يناير/كانون الثاني 2004، رؤية بلاده إزاء الدعوات الأمريكية لجلب الديمقراطية إلى منطقة الشرق الأوسط.
وشدد على أن الديمقراطية لا يمكن فرضها من الخارج، بل يجب أن تنبثق من داخل البلد، وتنمو بشكل طبيعي استجابة لاحتياجات شعبها.
جاء ذلك في كلمة له خلال جلسة حوارية بعنوان “ركوب الموجة الديمقراطية القادمة”، ضمن فعاليات منتدى دافوس الاقتصادي العالمي المنعقد بين يومي 21 و23 يناير.
وإضافة إلى حمد بن جاسم، شارك في هذه الجلسة كل من رئيسة لاتفيا فايرا فايكيه فريبيرغا، ورئيس السنغال عبد الله واد، والأمين العام لمنظمة العفو الدولية إيرين خان، ومؤسس “صندوق سوروس” الخيري الذي يهدف لإصلاح النظم الديمقراطية حول العالم الملياردير الأمريكي جورج سوروس.
العراق والديمقراطية
في بداية حديثه، علق النائب الأول وزير الخارجية القطري على المشهد الحالي في العراق، بعد نحو عام من غزوه في مارس/آذار 2003، حيث جادل بعض المسؤولين الأمريكيين آنذاك بأن إسقاط نظام صدام حسين سيؤدي إلى نشر الديمقراطية في العراق أولا، ومن ثم إلى باقي دول المنطقة كنموذج للتغيير.
وقال: “نحن نتابع ما يحدث في العراق بشكل عام، وليس فقط مسار الديمقراطية فيه، لأنني لا أعتقد أن هناك ديمقراطية هناك حاليا”.
وأضاف: “نأمل أن تكون هناك ديمقراطية، لكن الوضع صعب ومعقد، خاصة بعد أكثر من 30 عاما من حكم ديكتاتوري، لم يسيطر فقط على الدولة، بل على عقول الناس أيضا”.
وأشار إلى أن العراقيين وجدوا أنفسهم فجأة خارج هذا النمط من الحكم، وهم اليوم يتطلعون إلى نظام ديمقراطي، لكنه شدد على أن الديمقراطية لا تُجلب من الخارج، بل يجب أن تنبع من الداخل.
ولفت إلى أنه حتى إعلان الإدارة الأمريكية عن نيتها نقل السلطة للعراقيين في يونيو/حزيران المقبل، لم تكن هناك أي خطة واضحة لعملية ديمقراطية حقيقية.
وتابع قائلا: “لا توجد حتى الآن عملية أو خطة واضحة لنقل السلطة. وأعتقد أن أفضل ما يمكن القيام به هو وضع عملية ديمقراطية يتفق عليها العراقيون أنفسهم. فالحكومات المؤقتة التي تُشكَّل في هذه المرحلة لا تملك الشرعية الكافية لاتخاذ قرارات سيكون لها تأثير طويل المدى على الحكومات القادمة التي ستحكم باسم الشعب العراقي”.
وأكد حمد بن جاسم أن قطر تتابع ما يجري في العراق عن كثب، لكنها ترى أن الأزمة لن تنتهي بالسرعة التي يتوقعها البعض.
وقال: “نأمل أن يتجاوز العراقيون هذه المرحلة الصعبة، لكني أشك في أن الأمور ستُحل سريعا هذا العام. أعتقد أن هذا الصراع سيستمر لفترة طويلة”.
تجربة الإصلاح القطرية
وفي سياق حديثه عن التجربة القطرية، أشار حمد بن جاسم إلى أن قطر بدأت مسار الإصلاح السياسي منذ 7 سنوات، وقبل هجمات 11 سبتمبر 2001، انطلاقا من قناعة داخلية بضرورة التحديث والتطوير.
وأضاف: “بدأنا بحرية الصحافة، ثم أجرينا انتخابات بلدية، ومنحنا المرأة حق الترشح والتصويت، وشرعنا في إعداد دستور للبلاد. ونحن الآن على مشارف المرحلة الأخيرة من هذا المسار، والمتمثلة في إنشاء البرلمان”.
وأوضح أن هذه الخطوات لم تأتِ استجابةً لضغوط خارجية، بل كانت تعبيرا عن حاجة شعبية داخلية في قطر والمنطقة.
وشدد على أن أي تحول ديمقراطي حقيقي لا يمكن أن يُفرض من الخارج، بل يجب أن ينبع من الداخل.
وأضاف: “قوة أي حكومة تنبع من قدرتها على معالجة مشكلاتها الداخلية، والتعامل مع التحديات الاقتصادية، وتوفير الوظائف، وتحسين التعليم والرعاية الصحية”.
وتابع موضحا: “إذا شعر الناس أن حكومتهم تعمل لصالحهم، وأنهم أحرار في التعبير عن آرائهم، فهذه هي الديمقراطية الحقيقية، وهي مصدر القوة الحقيقية لأي دولة، وليس الاستجابة للضغوط الخارجية”.
الديمقراطية والثروات
وفي رده على سؤال بشأن العلاقة بين الديمقراطية والثروات الطبيعية مثل النفط، انتقد حمد بن جاسم الأسلوب الذي تعاملت به الدول الغربية مع ثروات العالم العربي.
واعتبر أن الموارد الطبيعية مثل النفط لم تُسهم في تعزيز الديمقراطية في المنطقة، بل استُغلت عبر عقود غير عادلة فُرضت من الخارج، وساهمت في تكريس أنظمة غير ديمقراطية.
ولفت إلى تجربة اكتشاف النفط قبل نحو خمسين أو ستين عامًا في الخليج جاءت في ظل جهل شعبي بطبيعة هذه الثروة، بينما كانت الدول الغربية، التي تمتعت بأنظمة ديمقراطية في ذلك الوقت، تدرك جيدًا قيمة النفط، فسعت لإبرام عقود غير منصفة مع الدول المنتجة، تقوم على دفع مبالغ سنوية ثابتة مقابل الحصول على النفط، دون اعتبار للقيمة الحقيقية للثروة.
وأوضح أن الشعوب الخليجية، التي لم تكن تملك شيئا آنذاك، رأت في تلك المبالغ الصغيرة مكاسب كبيرة، وقبلت بها، لكن مع مرور الوقت وارتفاع الوعي العام بقيمة النفط، بدأت هذه الشعوب تطالب بتحررها من التبعية لتلك القوى الغربية.
وقال: “حين بدأنا ندرك قيمة ما نملك، سعينا للتحرر، ونجحنا في ذلك”.
واستدرك: “لكن بعد ذلك ولنقلها بصراحة، استخدمت الدول الغربية في كثير من الأحيان الديمقراطية كأداة سياسية أو وسيلة لخدمة مصالح اقتصادية. ولهذا السبب، لم تتقدم الديمقراطية في منطقتنا”.
وأشار إلى أنه في وقت لاحق نشأت الممالك في الخليج والتي بدأت في بناء دولها بالاعتماد على الثروة النفطية، لكنها لم تكن خالية من الفساد بطبيعة الحال.
وأوضح أن الفساد لا يزال يمثل تحديا، وأن هناك جهودا لمكافحته، لكنه تساءل: “من الذي بدأ هذا الفساد؟ أنتم – العالم الغربي- من ذهب إلى كل تلك الدول وقلتم للناس هناك: سنعطيكم كذا وكذا، مقابل أن نحصل على هذه التسهيلات”.
وانتقد حمد بن جاسم ما وصفه بـ”ازدواجية المعايير” في التعامل الغربي مع الديمقراطية، قائلا: “اليوم، عندما أصبحت الأسواق مفتوحة وتنافسيّة، بدأ الغرب يميّز بين الأنظمة الديمقراطية وغير الديمقراطية، لكن رغم ذلك، هناك العديد من الدول غير الديمقراطية التي لا تزال تُعامل من الغرب كشركاء بسبب ما تحققه من مصالح اقتصادية. وما إن تتغير المصلحة، حتى يبدأ الهجوم باسم الديمقراطية وحقوق الإنسان، وتُطلق آلة الضغط الغربية بكامل طاقتها ضد هذه الدول”.
ودعا إلى ضرورة أن يكون التغيير السياسي في العالم العربي نابعا من الداخل، وليس مفروضا من الخارج، مؤكدًا أن الديمقراطية الحقيقية لا يمكن استيرادها، بل تُبنى على إرادة وطنية وواقع محلي.
كما طالب باستخدام الأمم المتحدة كمنصة حقيقية لوضع معايير عادلة، قائلا: “نحتاج إلى قاضٍ واحد ومبدأ واحد، وهو الأمم المتحدة. يجب أن تكون هناك معايير دنيا لحقوق الإنسان والديمقراطية، وعلى الدول التي لا تلتزم بها أن تقدم جدولًا زمنيًا للإصلاح وتلتزم به أمام شعبها والعالم”.
واعتبر أن الخلل في النظام الدولي الراهن يتمثل في خضوعه لنفوذ القوى الكبرى، مشيرا إلى أن أي دولة تحاول الخروج عن المسار المفروض تواجه عوائق لا يمكن تجاوزها دون موافقة قوى كبرى، وهو ما يعمق من حالة الاضطراب ويُبقي على غياب العدالة.
ولفت إلى أن ما حدث في منطقتنا حدث أيضا في إفريقيا، “فالشركات التي جاءت من أجل الألماس والثروات الأخرى استغلت الدول هناك، وعندما ظهرت قوى جديدة تحاول الدخول إلى المشهد، بدأت القوى القديمة تبحث عن طرق للسيطرة من جديد تحت شعارات مختلفة”.
واختتم حديثه بالقول: “الحل الوحيد هو أن يحدث التغيير من الداخل، وأن يتخذ المجتمع الدولي قرارا موحدا حول من يُقبل في الساحة الدولية ومن لا يُقبل بناءً على التزامه بمعايير واضحة، لا على أساس المصلحة المتغيرة للدول الكبرى”.
