خلال كلمته بندوة “المنطقة والمستقبل” في الكويت .. حمد بن جاسم يقدم تصورا شاملا حول مبادرات الإصلاح الأمريكية والغربية
قدم حمد بن جاسم تصوراً حول مبادرات الإصلاح الأمريكية والغربية قال: “يبدو أن هناك اتفاقا عاما بأن منطقة الشرق الأوسط.. تستلزم إحداث تغييرات عميقة”
الكويت- 15 مايو/أيار 2004
قدّم النائب الأول لرئيس مجلس الوزراء وزير الخارجية القطري حمد بن جاسم، تصورا شاملًا حول مبادرات الإصلاح الأمريكية والغربية التي تخص المنطقة العربية، عارضا فلسفة واضعي هذه المبادرات، والمسار الصحيح المتصوَّر للعلاقات بين دول الخليج ودول الغرب.
جاء ذلك في كلمة ألقاها السبت 15 مايو/أيار 2004 أمام فعاليات ندوة “المنطقة والمستقبل” التي تنظمها لجنة الشؤون الخارجية بمجلس الأمة الكويتي.
فلسفة مبادرات الإصلاح
وقال حمد بن جاسم: “نشهد على الساحة الدولية سيلا من المبادرات والمقترحات والأفكار التي تخص المنطقة العربية عموما، وكلها تتحدث عن الإصلاح والتطوير من أجل توفير أسباب الأمن والاستقرار على المستويين العربي والدولي”.
وحول رؤية واضعي هذه المبادرات، أوضح حمد بن جاسم أنه “رغم تفاوت هذه المبادرات والمقترحات في المنطلقات، إلا أنها تقوم على فلسفة واحدة مفادها أن الأنماط الجديدة من التهديد تنبع من أسباب سياسية واقتصادية واجتماعية وإثنية من خارج المحيط الغربي، وأنها تستهدف المحيط المذكور بدون استثناء، الأمر الذي يوجب التصدي لها من منظور جديد للعلاقات المشتركة مع الدول المعنية”.
وأشار إلى أنه يندرج في هذا الإطار أربع مبادرات أمريكية، أبرزها “مبادرة الشرق الأوسط الكبير“، والمبادرات والأفكار الأوروبية العديدة، فضلًا عن “مبادرة الناتو للشراكة من أجل السلام”.
وقال: “يبدو أن هناك اتفاقا عاما بأن منطقة الشرق الأوسط، ومنها منطقة الخليج، تستلزم إحداث تغييرات عميقة في الميادين السياسية والاقتصادية والاجتماعية والأمنية والعسكرية، من أجل التصدي للتطرف المتأتي من المنطقة حسب تصور هذه الدول”.
وأضاف: “لذا تشترك المبادرات والمقترحات والأفكار الأمريكية والغربية من حيث المضمون في محاور تتعلق بالديمقراطية والمشاركة السياسية وحقوق الإنسان والمجتمع المدني، وإصلاح التعليم، والتعاون الاقتصادي، والجوانب الأمنية والعسكرية”.
ولفت إلى أنه انتقد هذه المبادرات على أساس ملاحظات تتعلق بأسلوب الطرح، والطريقة المقترحة لتناولها، ومضمونها.
انتقادات لمضمون المبادرات
وبشأن انتقاداته لمضمون المبادرات، أوضح حمد بن جاسم أن الأولويات التي تطرحها ليست هي بالضرورة الأولويات المقصودة من مجتمعات المنطقة، حيث تم إغفال الانعكاسات السلبية لاستمرار القضية الفلسطينية والنزاع العربي الإسرائيلي دون تسوية نهائية عادلة بموجب مرجعيات الشرعية الدولية، على التنمية الشاملة في مختلف المجالات من أجل تحقيق الاستقرار والأمن.
وأشار إلى عدم التفات هذه المبادرات إلى الشواغل المهمة للمنطقة، التي يأتي في المقدمة منها أسلحة الدمار الشامل الإسرائيلية.
وقال إن النطاق الجغرافي الواسع لمجمل هذه المبادرات يضعف التركيز على القواسم المشتركة التي تتميز بها بعض الدول، وبالأخص منها الدول العربية.
كما لفت إلى القصور في التصور الواضح والمحدد لسبل وآليات تنفيذ المبادرات المختلفة، الأمر الذي يضعف من مضمونها ويجعلها مجرد أفكار للتداول.
وذكر أن العديد من الطروحات الاقتصادية التي جاءت بها المبادرات جاءت معلقة على شروط تخص تحقيق التقدم في جوانب موازية للمسارات الاقتصادية، مما أضعف مفهوم الشراكة الذي نادت به المبادرات ذاتها.
وأشار إلى أن العديد من المبادرات جاءت لمواجهة ظاهرة الإرهاب الدولي، التي قُرنت من عدد من الأوساط المهمة بالعالمين العربي والإسلامي دون مبرر.
وتابع: “على الرغم من أن رغبة أصحاب المبادرات تستهدف العمل على تحقيق الاستقرار في منطقة الشرق الأوسط، ومنها منطقة الخليج، لما لها من أهمية استراتيجية كبرى لمصالحهم، إلا أن الملاحظ أيضًا وجود تنافس واختلافات بين جانبي الأطلسي في هذا الميدان، مما يولِّد إشكاليات عديدة في التنفيذ”.
المسار الصحيح المتصوَّر
وبشأن المسار الصحيح المتصوَّر للعلاقات بين دول الخليج ودول الغرب، أكد حمد بن جاسم على أن واجب الجميع هو اعتماد النهج الواقعي الذي يتوخى الحساب الموضوعي الدقيق لعوامل القوة الذاتية، لكي يتسنى لنا التفاعل مع ما هو مطروح بشأننا في المحيط الدولي، إذ لا يُعقل أن يكون المطروح مجرد أفكار أكاديمية لا تعكس سياسات مستقبلية لتأمين مصالح أصحاب هذه الأفكار.
واعتبر أن إقرار القوى الخارجية بأخطائها، والسعي لإصلاحها، خطوة مهمة في القضاء على أسباب التطرف والعنف، وبهذا كله يصبح البناء الديمقراطي والإصلاحي في المنطقة أساسًا وطيدًا للتنمية التي ينشدها الجميع.
وأكد أن الحديث عن الأمن لا يمكن أن يقتصر على الجانب العسكري البحت، لأن مفهوم الأمن يتعدى هذا الجانب إلى الجوانب السياسية والاقتصادية والاجتماعية والمعرفية، التي ترتبط به ولا تقل عنه في الأهمية.
وشدد على ضرورة أن تكون هذه العملية قائمة على شراكة استراتيجية بين دول وشعوب المنطقة أولا، ومع سائر الأطراف الدولية المؤثرة في العلاقات الدولية.
وأوضح أن هذه الشراكة يجب ألا تظل مقتصرة على الجوانب السياسية والعسكرية أو الأمنية، لأن هذه لا تحقق الأهداف المرجوة لتنمية المنطقة، بل ولا تحقق حتى الأهداف المرجوة من المبادرات والمقترحات والأفكار المطروحة.
كما أكد على أهمية أن تهدف العملية إلى تحقيق أولويات العدالة والإنصاف والمساواة والاحترام المتبادل والمصالح المشتركة، والانفتاح والتفاعل الحقيقيين اقتصاديا واجتماعيا وثقافيا.
وشدد على ضرورة عدم التذرع ببقاء بعض الصراعات دون حل كسبب يحول دون السير في عملية الإصلاح وتحقيق الديمقراطية.
وقال إن تحقيق الإصلاح والديمقراطية يمكن أن يتم بصورة موازية لعملية التوصل إلى الحلول التي يفرضها القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة للصراعات والأزمات التي تواجهها منطقتنا، وبخاصة منها تلك التي تبرز ظاهرة التطرف من ديمومة بيئة الغضب والإحباط والكراهية بسبب استمرار انعدام العدل والإنصاف.
مواقف الدول العربية
وبشأن كيفية تصرف دول المنطقة العربية إزاء المبادرات والمقترحات والأفكار المطروحة للإصلاح، دعا حمد بن جاسم إلى الالتزام ببعض الثوابت، ومنها التركيز على استجلاء المضامين والتثبّت مما تنطوي عليه الأفكار والنتائج التي تقود إليها بصورة عقلانية من خلال الحوار، وليس القبول أو الرفض كما لو كان أحد هذين الخيارين أمرا محتوما.
وقال في هذا الصدد: “يجب أن نكون بالفعل مؤيدين للإصلاح، ومع الحاجة إلى التحديث والتطوير والديمقراطية، وقيام المؤسسات، وضمان الحقوق الأساسية للإنسان”.
واختتم بالتأكيد على أن الأساس المبدئي الذي يضمن أهداف عملية الإصلاح والتطوير والبناء الديمقراطي، يتجسد بضرورة انطلاقها من إرادة الشعوب وتطلعات أبنائها، بما يتلاءم مع خصوصياتها الثقافية والحضارية. فبدون ذلك، يصعب على العملية أن تمد جذورها في الواقع الفعلي للمجتمعات.
