خلال كلمته بالمنتدى العربي الاستراتيجي بدبي .. حمد بن جاسم: الإصلاح مرهون بإرادة الحكومات العربية والتغيير قادم لا محالة
وخلال كلمته أكد حمد بن جاسم أن الإصلاح مرهون بإرادة الحكومات العربية وحذر من أن التغيير قادم لا محالة في المنطقة، ما يستدعي الاستعداد له .
دبي- 13 ديسمبر/كانون الأول 2004
جدّد النائب الأول لرئيس مجلس الوزراء وزير الخارجية القطري حمد بن جاسم بن جبر آل ثاني، دعوته للدول العربية إلى المضي قدما وبشكل جاد في تبنّي سياسات إصلاحية قائمة على خطط واضحة، وجدول زمني محدد، وبمشاركة مجتمعية واسعة.
جاء ذلك خلال كلمته بالجلسة الثانية من المنتدى العربي الاستراتيجي، الذي انطلق في دبي الإثنين 13 ديسمبر/كانون الأول 2004، بمشاركة نخبة من كبار المسؤولين والخبراء والإعلاميين من مختلف أنحاء العالم، ويستمر لثلاثة أيام لمناقشة مستقبل المنطقة العربية.
وفي الجلسة الثانية من المنتدى، والتي عُقدت تحت عنوان “العالم العربي في عام 2020″،تحدث كل من النائب الأول لرئيس مجلس الوزراء وزير الخارجية القطري حمد بن جاسم بن جبر آل ثاني، ووزيرة الخارجية الأمريكية السابقة مادلين أولبرايت، والسفير السعودي لدى بريطانيا الأمير تركي الفيصل، ووزيرة المغتربين السورية بثينة شعبان.
وخلال كلمته حذر حمد بن جاسم من أن “التغيير في المنطقة قادم لا محالة”، ما يستدعي الاستعداد له من خلال توفير مقومات النجاح دون المساس بالثوابت.
الإصلاح مرهون بإرادة الحكومات
وشدّد حمد بن جاسم على أن تنفيذ إصلاحات حقيقية وتنمية شاملة في المنطقة، بروح من التعاون والتكافل بين دولها، سيهيئ لها البيئة الملائمة للنهوض والانخراط الفاعل في الساحة الدولية، محققا نتائج إيجابية تعود بالنفع على الجميع، مشيرا في الوقت ذاته إلى أن نجاح هذه المسيرة مرهون بإرادة الحكومات العربية.
ودعا إلى إعداد وتنفيذ خطط تنموية شاملة تراعي خصوصية كل دولة، وتعتمد على التعاون الإقليمي لضمان فاعليتها، مؤكدا أهمية تسوية الخلافات العربية – العربية، وتعزيز عمل المؤسسات الإقليمية على أسس تشاركية.
وحذر من أن أبرز التهديدات التي تواجه العالم العربي تتمثل في استمرار غياب حل عادل للقضية الفلسطينية، وتصاعد الفوضى في العراق، إضافة إلى تحديات التنمية المستدامة، معتبرًا أن بقاء هذه الأزمات دون معالجة سيقود إلى مزيد من الانقسام والاضطراب في المنطقة.
تراجع أمريكي
وفي ما بدا تراجعا لافتا عن المواقف الأمريكية السابقة، وفي ظل انتقادات عربية متزايدة لمحاولات واشنطن فرض نماذج إصلاح جاهزة، أقرت أولبرايت بأن الديمقراطية لا يمكن فرضها على الشعوب من الخارج، مؤكدة أنها نتاج ثقافي داخلي ينبع من خصوصية كل مجتمع.
وأضافت أن الإسلام ليس عائقًا أمام الديمقراطية، بل يشكّل منظومة أخلاقية متسقة معها.
في المقابل، عبّرت بثينة شعبان عن رفضها الشديد لما وصفته بـ”الديمقراطية المستوردة على الطريقة الأمريكية”، وقالت أمام المشاركين في المنتدى: “الديمقراطية التي وُعد بها العراقيون، أدت إلى نهب آثارهم وتراثهم، وتدمير مدنهم وقراهم، وقتل عشرات الآلاف من أبنائهم”.
وردّت أولبرايت على هذه المداخلة بالتأكيد على أن الولايات المتحدة تدعم الإصلاحات السياسية الجادة التي تنبع من الداخل، وليس تلك المفروضة من الخارج، مضيفة : “أدعو إدارة الرئيس بوش إلى عدم تكرار أخطاء الماضي”.
وشددت أولبرايت على أهمية توسيع مشاركة الشعوب العربية في الحكم، معتبرة أن القرارات الفردية كانت سببًا رئيسيًا للنزاعات التي أرهقت المنطقة لأكثر من خمسة عقود.
وفي مداخلة أخرى، قالت بثينة شعبان: “العرب يُعاملون كضحايا ويتهمون بالإرهاب، بينما فلسطين تتعرض لعدوان بشع، وأراضينا محتلة، ومع ذلك لا يزال يُنظر إلينا كإرهابيين”.
واعتبرت أن الاستراتيجية الأمريكية في “محاربة الإرهاب” بعد هجمات 11 سبتمبر اتّسمت بالعنصرية والانحياز، لأنها – بحسب قولها – “تحصي فقط ضحاياهم، بينما تتجاهل ضحايانا في العراق وفلسطين”.
ودعت شعبان إلى إقامة تحالف إسلامي – غربي ينهي الخلط بين المقاومة والإرهاب، ويفضح المتطرفين الحقيقيين، ويجبر الولايات المتحدة على الاعتراف بأن الإنسان الفلسطيني يساوي في القيمة الإنسان الأمريكي أو الإسرائيلي.
وختمت بالقول: وهذه المعادلة يجب أن تصل إلى الغرب، لأنها كفيلة بتغيير كثير من المفاهيم، وقيادتنا نحو سلام حقيقي وشامل في المنطقة”.
دعوة للتعاون ضد الإرهاب
من جانبه، دعا الأمير تركي الفيصل إلى تكاتف الجهود الدولية في الحرب على الإرهاب، مشددا على ضرورة التعاون المشترك للقضاء على هذه الظاهرة التي باتت تمثل معاناة مشتركة للعالم بأسره.
وأكد الأمير الفيصل أن الإرهاب يشكّل اليوم أحد أخطر التحديات التي تواجه العالم العربي، وأكبر تهديد للأمن والسلم الدوليين، لافتًا إلى أنه “لا دين له ولا وطن، وهو عدو لكل من ينتمي إلى قيم التحضر والتقدم”.
وفي هذا السياق، نبه إلى أن ربط الإرهاب بالدين الإسلامي يمثل خطأً فادحًا، موضحًا أن تعاليم الإسلام الحنيف تُحرّم قتل الأبرياء وتدعو إلى السلم والعدل.
وأعرب عن أسفه لبعض الإشارات التي ربطت اسم المملكة العربية السعودية بأحداث 11 سبتمبر، مشيرًا إلى الجهود الكبيرة التي بذلتها المملكة في مواجهة الإرهاب، بما في ذلك مراقبة التحويلات المالية من وإلى داخل البلاد لضمان عدم وصول أي تمويل إلى الجماعات الإرهابية.
وفي حديثه عن الأسباب التي ساهمت في انتشار التطرف، أوضح الأمير تركي الفيصل أن التطورات التكنولوجية، وخاصة الإنترنت، أتاحت للجماعات المتطرفة نشر أفكارها المغرضة وتجنيد الشباب المحبطين عبر أدوات الاتصال الحديثة، مما منحها منصات واسعة للتأثير والاستقطاب.
وأضاف أن ازدواجية المعايير الدولية تُعد من أبرز الأسباب التي تؤجج مشاعر الغضب وتغذي بيئة التطرف، مستشهدًا بتجاهل إسرائيل لمقررات الشرعية الدولية في ما يتعلق بالقضية الفلسطينية.
وقال: “رغم قرارات محكمة العدل الدولية التي اعتبرت الجدار العازل في الأراضي الفلسطينية غير شرعي، استمرت إسرائيل في البناء، دون أن يحرّك المجتمع الدولي ساكنًا. في المقابل، تحركت العديد من الدول سريعًا لمهاجمة العراق بمجرد الاشتباه في امتلاكه أسلحة دمار شامل”.
واعتبر الأمير الفيصل أن هذا التناقض الصارخ في تطبيق القانون الدولي يقوّض مصداقية المجتمع الدولي، ويغذّي مشاعر الظلم والانقسام التي تستغلها الجماعات المتطرفة.
دعوة إماراتية لتسريع الإصلاح
وفي كلمته خلال افتتاح المنتدى، وجّه ولي عهد دبي وزير الدفاع الإماراتي الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم دعوة صريحة إلى القادة العرب للإسراع في تبنّي الإصلاحات قبل أن يفوت الأوان.
وقال: “أقول لإخواني المسؤولين العرب: إن لم تُغيّروا، فستتغيّرون، وإن لم تبادروا إلى إصلاحات جذرية تُعيد الاحترام للعمل العام، وترسّخ مبادئ الشفافية والعدالة والمساءلة، فإن شعوبكم ستنصرف عنكم، وسيكون حكم التاريخ عليكم قاسيا”.
وشدد على أن مواجهة الواقع والتحديات التي يعانيها العالم العربي باتت ضرورة لا تحتمل التأجيل، داعيا إلى التحرك الفوري لتجاوز الأزمات المتراكمة، قبل أن تستفحل وتتفاقم تداعياتها.
وفيما يتعلق بالنموذج الديمقراطي، أكد محمد بن راشد رفضه لفكرة استيراد الديمقراطية الغربية، مشيرًا إلى أن للدول العربية خصوصيتها الحضارية والدينية والثقافية.
وقال: “ديمقراطيتنا نابعة من عاداتنا وتقاليدنا ومبادئ ديننا الإسلامي، وهي إرث خالد تركه لنا الآباء والأجداد، ونحن فخورون بممارستها في إطار مجتمعاتنا المتماسكة ذات الطابع الأسري”.
وعبّر عن ثقته بأن العقد القادم سيشهد تغييرات جوهرية في العالم العربي، مؤكدًا أن الإصلاح قادم لا محالة، لكنه شدد في الوقت ذاته على ضرورة ألا تعيق الأزمات السياسية مسيرة التنمية الاقتصادية والاجتماعية، بل أن تتزامن معها بشكل متكامل.
كما دعا إلى حل القضية الفلسطينية والمسألة العراقية وفقًا للشرعية الدولية ومن خلال الحوار، بما يضمن إرساء السلام والاستقرار في المنطقة، وتمكين شعوبها من العيش في أمن وطمأنينة، بغض النظر عن الدين أو العرق أو الطائفة.
سيناريوهان لمستقبل المنطقة
من جانبه، قدّم الرئيس الأمريكي الأسبق بيل كلينتون رؤيته لمستقبل العالم العربي خلال العقدين المقبلين، مشيرًا إلى احتمال وجود سيناريوهين متناقضين.
وأوضح أن السيناريو السلبي يتمثل في استمرار الصراع العربي الإسرائيلي دون قيام دولة فلسطينية مستقلة، وركود اقتصادي، يرافقه سباق تسلح ومحاولات امتلاك أسلحة دمار شامل، وانتشار التطرف، ما سيُعيق جهود التنمية والتحديث في المنطقة.
أما السيناريو الإيجابي، بحسب كلينتون، فيقوم على إنهاء النزاع العربي الإسرائيلي، وقيام دولة فلسطينية مستقلة، وتعزيز التعاون الإقليمي في مكافحة الإرهاب، وتوسيع نطاق التجارة الحرة، بما يجعل من العالم العربي جسرا بين الشرق والغرب.
ودعا كلينتون إلى دعم القيادة الفلسطينية الحالية وإرساء حكم القانون والمزيد من إشراك المرأة رافضا فكرة إقامة دولة دينية لأنها تعني أن “هناك تفسيرا واحدا للعقيدة يفرض على البقية وتكفير من لا ينظر إلى الأمور بنفس الطريقة”.
مصادر الخبر:
–حمد بن جاسم يخاطب المنتدى الاستراتيجي العربي بدبي
– النائب الأول : تنفيذ الإصلاحات ضرورة حتمية
–دعوات إلى الإصلاح والتغيير في افتتاح فعاليات “المنتدى العربي الاستراتيجي” بدبي
–كلينتون “متشائل” حيال مستقبل العالم العربي
–وزير الخارجية القطري : هل القادة العرب صادقين في تطبيق الديموقراطية التي يتحدثون عنها في الندوات
