خلال كلمته بندوة “الإصلاح والبناء الديمقراطي” في بروكسل .. حمد بن جاسم: التوجّه الديمقراطي بقطر نبع من قناعة ذاتية ولا وجود لضغوط خارجية
أكد أن التوجّه الديمقراطي بقطر نبع من قناعة ذاتية ولا وجود لضغوط خارجية، وأنها تؤمن أن الديمقراطية السياسية لا تكفي، ما لم تُرفد ببرامج تنموية متكاملة
بروكسل- 26 مايو/أيار 2005
أكد النائب الأول لرئيس مجلس الوزراء ووزير الخارجية القطري حمد بن جاسم بن جبر آل ثاني، أن التوجّه الديمقراطي في بلاده نابع من قناعة ذاتية راسخة، وسبق أحداث الحادي عشر من سبتمبر/أيلول 2001 في الولايات المتحدة، نافيا أن يكون هذا التوجه استجابة لضغوط خارجية.
جاء ذلك في كلمة ألقاها خلال ندوة بعنوان “الإصلاح والبناء الديمقراطي ودور الاتحاد الأوروبي”، التي انعقدت في بروكسل الخميس 26 مايو/أيار 2005، بتنظيم مشترك بين “مركز الدراسات والبحوث حول العالم العربي ودول المتوسط” و”المعهد الملكي للعلاقات الدولية” في بلجيكا.
وقال حمد بن جاسم: ” بدأنا مسارنا الديمقراطي قبل أحداث 11 سبتمبر، وهو ليس استنساخا لنموذج عالمي جاهز”.
وأضاف أن هذا المسار “لم يأت استجابة لضغوط خارجية، بل نبع من قناعتنا الذاتية الراسخة بكونه يمثل ممارسة صحية وسليمة تجد جذروها في مبدأ الشورى في الحكم، وهو مبدأ أساسي نصت عليه تعاليم ديننا الاسلامي الحنيف الذي نتمسك به ونعتز بتعاليمه وقيمه ومبادئه المتنورة”.
رؤية قطر للإصلاح
وحول رؤية قطر لعملية الإصلاح، أوضح حمد بن جاسم أن بلاده، وفق السياسة التي رسمها سمو الأمير الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني منذ عام 1995، تعتبر أن الإصلاح القائم على الديمقراطية والمشاركة الشعبية الواعية هو السبيل الأمثل لتحقيق السلم والعدل والتنمية الشاملة، مع احترام الخصوصيات الثقافية للمجتمع القطري.
وأضاف: “من هذا المنطلق، التزمنا ببناء دولة الدستور والمؤسسات والقانون، واحترام حقوق الإنسان، وضمان المساواة بين المواطنين رجالا ونساء في الحقوق والواجبات، لتمكينهم من المشاركة الفاعلة في تنمية وطنهم وتطويره”.
وأشار في هذا الصدد إلى أن حكومة بلاده تتطلع إلى تنفيذ أحكام الدستور الدائم الصادر في 8 يونيو/حزيران 2004، بعد أن أقره الشعب بنسبة عالية من التأييد في استفتاء أبريل/نيسان 2003.
وذكر أن قطر تؤمن أن الديمقراطية السياسية وحدها لا تكفي، ما لم تُرفد ببرامج تنموية متكاملة، لذلك تواصل جهودها في تنفيذ مشاريع كبرى للتنمية الاقتصادية، فيما يحظى قطاعا التعليم والصحة بأولوية قصوى، وتولي الدولة اهتماما بالغا بدعم الأسرة وتعزيز دورها في المجتمع.
تحديات داخلية
وشدد حمد بن جاسم على أن قطر، وهي تمضي في خيارها الإصلاحي، تدرك تماما طبيعة التحديات التي تواجهها، وفي مقدمتها ضرورة التوعية المستمرة داخليا، بأن الموروث الحضاري العربي والإسلامي لا يتعارض مع مفاهيم الإصلاح، بل يزخر بأمثلة مشرقة لرواد الإصلاح الذين يمكن استلهام فكرهم وتجاربهم.
وأكد أن هذا الوعي يحفّز على مراجعة الذات والاستفادة من منجزات العصر الحديث، دون التخلي عن المبادئ أو تعريض الهوية الثقافية للخطر، مشددا على أن التحديث ليس أمرا مستحيلا إذا ما اقترن بإرادة صادقة وفهم سليم.
وأضاف أن الموروث الديني لا يشكل عائقا أمام الإصلاح، بل يدعو إلى النهضة والحياة الكريمة القائمة على أسس الحكم الرشيد، مشيرا إلى أن الإصلاح القائم على الإرادة الذاتية الواعية، والمنسجم مع خصوصية المجتمع، لا يعني التفريط في القيم الأساسية التي تشكل جوهر الهوية الوطنية.
وتابع: “لقد عبّرنا عن هذا الموقف بوضوح، ودعونا إلى تبني نهج الإصلاح بدءا من نقد الذات، ورفضنا كافة المبررات التي تُستخدم للهروب من استحقاقات الإصلاح الضرورية”.
تحديات إقليمية
وفيما يخص التحديات الإقليمية، أشار حمد بن جاسم إلى أن نجاح الإصلاح والديمقراطية بدول المنطقة يرتبط ارتباطا وثيقا بتحقيق الاستقرار السياسي والأمني بها.
وحذر من أن استمرار النزاعات الثنائية، ولجوء بعض الأطراف إلى استخدام القوة، إضافة إلى التوترات المرتبطة بملف أسلحة الدمار الشامل، تُلقي بظلال سلبية على جهود التنمية في المنطقة.
وأضاف أن الفشل في تحقيق التنمية يقود بدورة إلى حالة من عدم الاستقرار السياسي والأمني، الأمر الذي يُبقي المنطقة في دائرة الأزمات والتوترات.
وأكد أن التقدم في مسار الإصلاح والتنمية على المستوى الداخلي لن يحقق أهدافه المنشودة ما لم يُواكَب بتحركات دولية فاعلة لحل أزمات المنطقة، في إطار الشرعية الدولية ومبادئ العدالة والإنصاف، وفي مقدمتها إيجاد تسوية عادلة للقضية الفلسطينية، وتحقيق الاستقرار في العراق، والعمل على جعل منطقة الشرق الأوسط خالية من أسلحة الدمار الشامل.
وقال: “من دون تحقيق هذه الأهداف، لن يكون ممكنا معالجة أسباب الإحباط التي تُغذّي مظاهر التطرف والعنف والإرهاب، وهي تحديات تهدد أمن المنطقة وتعوق مسيرة الإصلاح والبناء الديمقراطي”.
تقييم للمبادرات الإصلاحية
وتناول حمد بن جاسم في كلمته المبادرات الإصلاحية التي انهالت على المنطقة من الخارج، سواء من جانب الولايات المتحدة أو الاتحاد الأوروبي أو حلف شمال الأطلسي (الناتو)، مشيرا إلى أن هذه المبادرات لم تكن موحدة لا في الطرح ولا في المنهج أو في أولوياتها ومضامينها، سواء على المستوى الكلي أو الجزئي.
وأوضح أن القاسم المشترك بين تلك المبادرات هو انطلاقها من قناعة فكرية مفادها أن الدول العربية وعددا من الدول الإسلامية المجاورة تعاني من حالة من الجمود والتخلف، مما يستوجب إصلاحات سياسية واجتماعية لضمان الأمن والاستقرار على الصعيدين الدولي والغربي، وتحديدا بالنسبة للولايات المتحدة وأوروبا.
وفي هذا السياق، أشار إلى أن السنوات الأخيرة كشفت عن بعض التحولات اللافتة بشأن تلك المبادرات، سواء على المستوى العربي أو الدولي.
فعلى الصعيد العربي، بدأت تظهر مؤشرات إيجابية محدودة، مثل تراجع الخطاب الذي يتذرّع بالخصوصية للتهرب من الإصلاح، وتزايد الاعتراف بضرورة الإصلاح باعتباره مدخلا أساسيا لتحقيق التنمية والارتقاء بمستوى حياة المواطن في العصر الحديث.
وأكد أن هذه الرؤية باتت تستند إلى قناعة بأن الإصلاح ينبغي أن يكون نابعا من إرادة داخلية، تراعي الخصوصيات الثقافية والدينية، وتستلهم من التراث العربي والإسلامي الذي يزخر بحركات إصلاحية وتجارب متميزة.
ولفت إلى أن التقارير التنموية الصادرة، مثل تقارير التنمية الإنسانية العربية للأعوام 2000 و2004، تؤكد بدورها أن التنمية الشاملة لا تتحقق إلا بالإصلاح والديمقراطية، بعد تشخيص التحديات والاختلالات التي تعيق التقدم في مختلف المجالات.
غير أنه أبدى تحفظا على محدودية الأثر العملي لهذه الدعوات، قائلا إن التصريحات بشأن أهمية الإصلاح لم تُترجم بعد إلى برامج عمل واضحة، بخطوات منهجية مدروسة، تضمن التطبيق الفعلي على أرض الواقع وفق جدول زمني محدد وشفاف.
وعلى الصعيد الدولي، رأى أن التحولات الجارية في العالم العربي بدأت تجد صدى لدى المجتمع الدولي، وهو ما انعكس في مضامين الإعلانات الصادرة عن عدد من القمم الدولية خلال يونيو/حزيران 2004.
وأشار في هذا السياق إلى إعلان قمة مجموعة الدول الثماني في “سي آيلاند” بولاية جورجيا الأمريكية في 9 يونيو/حزيران، وبيان القمة الأمريكية الأوروبية في “درومولان” بإيرلندا في 26 يونيو/حزيران، وبيان قمة حلف الناتو في إسطنبول في 28 يونيو/حزيران من العام ذاته، حيث تبلورت رؤية أكثر واقعية ترتكز على مبدأ الشراكة والتنسيق والحوار مع دول المنطقة لتحقيق الإصلاح والديمقراطية.
وأوضح أن هذه القمم شددت على ضرورة أن يكون الإصلاح نابعا من الداخل، ومبنيا على إرادة الشعوب، مع الإقرار بأهمية الربط بين الجوانب السياسية والأمنية والعسكرية من جهة، والاقتصادية والاجتماعية والثقافية من جهة أخرى، مؤكدا أهمية إطلاق برامج مشتركة وتخصيص تمويل فعلي لها، بمشاركة دول من داخل المنطقة وخارجها.
تقارب في الرؤى
واعتبر حمد بن جاسم أن التقارب في الرؤى بين دول المنطقة وشركائها الدوليين لم يكن ليتحقق لولا اعتماد أسلوب الحوار البنّاء، ورفض فكرة فرض النماذج من الخارج، مشددا على أن هذه المرحلة تفرض مسؤولية مشتركة على الجميع، يمكن الاضطلاع بها في إطار شراكة استراتيجية حقيقية بين دول الاتحاد الأوروبي والدول الفاعلة في النظام الدولي من جهة، ودول المنطقة من جهة أخرى.
وأوضح أن هذه الشراكة لا ينبغي أن تقتصر على الجوانب السياسية أو العسكرية والأمنية فقط، بل يجب أن تمتد لتشمل تحقيق مبادئ العدالة والإنصاف والمساواة، وتعزيز الاحترام المتبادل، والانفتاح، والتفاعل الحقيقي في المجالات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية.
ودعا إلى أن تولي هذه الشراكة اهتماما خاصً بالقضاء على مسبّبات التخلف، من فقر وجهل ومرض، والعمل على ترسيخ ثقافة الديمقراطية.
كما شدد على ضرورة أن تتواكب هذه الجهود مع تحرّك فاعل وجريء لمعالجة جذور الصراعات الإقليمية، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية وتحقيق الاستقرار في العراق، موضحا أن أسباب الإحباط التي تؤجج العنف والتطرف والإرهاب لا يمكن تجاوزها ما لم تُعالج جذورها السياسية والإنسانية.
ورأى أن بناء شراكة استراتيجية فعالة يتطلب وضع برنامج واضح ومتكامل في مختلف الميادين، قائم على التعاون الصادق، والاحترام المتبادل للمصالح، والشفافية، والاستعداد المتبادل لتقديم التنازلات بما يضمن مصلحة الطرفين.
تعزيز مسار الشراكة
وفي هذا السياق، أكد حمد بن جاسم على أهمية عدد من النقاط الجوهرية لتعزيز مسار الشراكة الخليجية الأوروبية، مشددا على ضرورة الانتقال من الحوار النظري إلى أدوار فاعلة ومبادرات عملية قابلة للتنفيذ.
ودعا إلى تجاوز النمط التقليدي الذي يقتصر على تكرار النقاش حول قضايا متغيرة دون الوصول إلى قرارات حاسمة، مؤكدا على ضرورة عدم إثارة عراقيل قد تعيق استكمال المفاوضات بشأن اتفاقية التجارة الحرة بين الجانبين قبل نهاية العام، كما تم الاتفاق مسبقا.
كما شدد على أهمية بناء علاقات اقتصادية وتجارية أكثر توازنا، تعالج الخلل القائم في الميزان التجاري نتيجة استمرار العجز لصالح الطرف الأوروبي، والعمل على تعزيز التعاون في مجال الاستثمار، خاصة في ظل الجهود التي تبذلها دول الخليج لتطوير بيئة استثمارية جاذبة.
وأشار إلى أن العلاقات بين دول مجلس التعاون والاتحاد الأوروبي لا ينبغي أن تظل محصورة في إطار صادرات الطاقة، بل يجب أن تتسع لتشمل مجالات متنوعة مثل التدريب والتعليم والثقافة والصحة والبيئة، بما يفتح آفاقًا أوسع للتعاون الشامل والمستدام.
وفي الشأن السياسي، دعا إلى تفعيل الدور الأوروبي في تسوية قضايا المنطقة التي تعيق تحقيق الأمن والاستقرار، مشددًا على أن أي مساهمة أوروبية في هذا الصدد يجب أن تستند إلى مبادئ القانون الدولي والعدالة.
يُذكر أن الندوة ترأسها وزير الخارجية البلجيكي كارل دي غشت، وحضرها عدد من رؤساء البعثات الدبلوماسية الخليجية والعربية لدى بروكسل، إلى جانب مسؤولين بلجيكيين وأكاديميين متخصصين في العلاقات الدولية من مختلف الجامعات البلجيكية.
مصادر الخبر:
– النائب الأول: الإصلاح في قطر قائم علي بناء الديمقراطية علي أساس المشاركة الشعبية
–النائب الأول يشارك اليوم في ندوة الديمقراطية والإصلاح في العالم العربي
