في مقابلة مع صحيفة ألمانية ..رئيس الوزراء القطري يحذر من استمرار الوضع في العراق ويدعو إلى مصالحة وطنية
حذر رئيس الوزراء القطري حمد بن جاسم من أن استمرار الوضع في العراق على ما هو عليه يمثل مصدر قلق لدول المنطقة.
الخميس- 24 أبريل/ نيسان 2008
حذر رئيس الوزراء وزير الخارجية القطري حمد بن جاسم بن جبر آل ثاني من أن استمرار الوضع الراهن في العراق يمثل مصدر قلق لدول المنطقة، داعيا العراقيين إلى مصالحة وطنية.
جاء ذلك في مقابلة أجراها الصحفي راينر هيرمان من “فرانكفورتر ألجماينه”، أكبر صحيفة ألمانية، مع حمد بن جاسم أثناء زيارة لبرلين يلتقي خلالها مسؤولين في مقدمتهم المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل.
وقال هيرمان إن الصراعات في العراق بين حكومة نوري المالكي وحركة مقتدي الصدر تظهر أن هذا البلد بعيد جدا عن استعادة استقراره، فما هي توقعاتكم له في السنوات القادمة؟
وأجاب حمد بن جاسم “أتفق معكم بأن الوضع في العراق ليس طبيعيا، واستمراره بالصورة التي نشهدها يشكل مصدر قلق لجميع دول المنطقة”.
ويشهد العراق اشتباكات دموية متقطعة بين القوات الحكومية وقوات “جيش المهدي”، التابع للزعيم الشيعي مقتدى الصدر.
وجرى تشكيل “جيش المهدي” عام 2003 بعد الغزو الأمريكي للعراق، وحاربت هذه المليشيا القوات الأمريكية مرتين عام 2004، ولكنها ساعدت على تولي المالكي السلطة بعد انتخابات عام 2005.
غير أنه توجد خلافات بين المالكي والصدر منذ العام الماضي، من بين أسبابها رفض المالكي تحديد جدول زمني لانسحاب القوات الأمريكية من العراق.
وأضاف حمد بن جاسم “نأمل أن يوفق أشقاؤنا في العراق إلى تحقيق المصالحة الوطنية بين جميع الأطياف السياسية لكي يسود الأمن والاستقرار”.
وتابع: “بالتالي يمكن إعادة البناء وإنهاء المعاناة ويستعيد العراق الشقيق ممارسة دوره الطبيعي كدولة عربية إسلامية رئيسية على الصعيدين الإقليمي والدولي”.
وبشأن التوقعات لمستقبل العراق، قال بن جاسم “لا أعتقد أن بالإمكان تحديد إطار زمني محدد لبلوغ المرحلة التي ننشدها لإخوتنا في العراق”.
وعزا ذلك إلى “تعدد وتشابك الأسباب وتقاطع الاتجاهات، سواء الوطنية أو الجوارية أو الدولية”.
واستدرك: “لكن يبقى بعد كل هذا المسؤولية الدولية المشتركة التي تفرض العمل بجدية وفعالية لتطبيق الحلول”.
وشدد على أن هذه الحلول يجب أن “تنصب في مصلحة الشعب العراقي بالدرجة الأولى وبما يتوافق عليه رأي مختلف فئاته ويؤمن للعراق الاستقلال وسلامة ترابه الوطني”.
إيران وإسرائيل
وتحدث هيرمان عما اعتبر أنه تقاعس إيران في الموافقة على قيام الوكالة الدولية للطاقة الذرية بتفتيش ومراقبة برنامجها النووي.
وسأل: هل تعتقدون أن عقوبات الأمم المتحدة هي السبيل المناسب لإجبار إيران على الانصياع لمطالب المجتمع الدولي؟
وأجاب حمد بن جاسم “موقفنا بشأن هذه المسألة معلن ومعروف. نعتقد بقوة بضرورة حل الخلافات القائمة بالطرق السلمية”.
وأكد ضرورة الاستناد إلى “الأحكام والمعايير التي يجري العمل بها في الوكالة الدولية للطاقة الذرية ونظام الضمانات الذي تطبقه المنظمة”.
وزاد بأن “وسائل القسر مهما كانت لا توفر بالكامل الحلول المنشودة؛ لأن ديمومة الحلول تقتضي أن تكون نابعة من إرادات سياسية متوافقة مع الشرعية الدولية”.
وتتهم الولايات المتحدة وحليفتها إسرائيل ودول عربية إيران بالسعي إلى إنتاج أسلحة نووية، بينما تقول طهران إن برنامجها مصمم للأغراض السلمية، بما في ذلك توليد الكهرباء.
وتعتبر كل من طهران وتل أبيب العاصمة الأخرى العدو الأول لها، وتعد إسرائيل الدولة الوحيدة في الشرق الأوسط التي تمتلك ترسانة نووية وهي غير خاضعة للرقابة الدولية.
وحول إمكانية أن تغير قنبلة نووية إيرانية التوازن الاستراتيجي في المنطقة، قال حمد بن جاسم “إننا ندعو إلى أن يتم إخلاء منطقة الشرق الأوسط بأكملها من أسلحة الدمار الشامل، وأن يطبق هذا المبدأ على كل الدول بما في ذلك إسرائيل”.
واستطرد “وبالتالي نحن لا ننظر إلى المسألة من زاوية التوازن الاستراتيجي بالصيغة التي ذكرتها”.
وأوضح أن هذه الصيغة “تعني أن حيازة إسرائيل لهذه الأسلحة، وهي حقيقة ثابتة، لا تخل بالتوازن الاستراتيجي بينما حيازة إيران لها، لو ثبت ذلك، تحدث الخلل. هذا معيار مزدوج لا نقبله”.
العرب ولبنان
هيرمان رأى أن القمة العربية بدمشق في 29 مارس/ آذار 2008 كانت استعراضا لعدم توحد العرب، إذ تغيب عنها كثير من القادة العرب، وسأل عن سبب عدم توحدهم؟
وأجاب حمد بن جاسم بأن “ما تسميه عدم التوحد في القمة العربية ظاهرة ليست غريبة، فليس المفروض أن يتحقق الإجماع في جميع القضايا التي تنظر بها القمم العربية”.
ورأى أن “الأهم من هذا أن يسعى الجميع إلى التوافق، وهذا ما يحصل في القمم العربية”.
وتابع “انعقدت قمة دمشق ضمن ظروف دقيقة وحرجة أملتها جملة من الأحداث في المنطقة في السنوات الأخيرة، وبخاصة في السنة الماضية، في جميع ساحات القضايا الساخنة”.
وأضاف أن “هذا يفسر صعوبة التوصل إلى التوافق السريع بشأن المواقف. وتصدق هذه الظاهرة على كل قمم المجموعات الدولية الأخرى”.
وسأل هيرمان: لماذا من الصعب أن يتفق العالم العربي على حل للأزمة اللبنانية؟
وقال حمد بن جاسم إن “الشأن اللبناني ليس سهلا، وعوامل التعقيد ليست عربية بحتة، وهذا هو الذي يفسر تعدد الرؤى”.
وجراء خلافات سياسية بين الحكومة والمعارضة البرلمانية، بقيادة “حزب الله”، يعاني لبنان من شغور رئاسي منذ انتهاء ولاية رئيس الجمهورية إميل لحود في نوفمبر/ تشرين الثاني 2007.
وعن الدور الذي تتبوؤه قطر ودوره هو شخصيا لحل الصراعات في العالم العربي، قال رئيس الوزراء القطري إن “دور قطر في الحد من النزاعات في العالم العربي ينطلق أساسا من مباديء السياسة الخارجية القطرية التي نتحرك بموجبها في علاقاتنا الإقليمية والدولية”.
وأضاف أن هذه السياسة “وفق توجيهات سيدي حضرة صاحب السمو الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني أمير البلاد المفدى في هذا المجال”.
وتابع “لا نتحرك بصفتنا نمارس أدوارا شخصية، لأننا نعمل ضمن إطار دستوري ومؤسساتي يحكمه دستور الدولة”.
وأوضح أن “أولويات سياستنا الخارجية تحددت استنادا إلى قناعتنا واجتهاداتنا الذاتية ومن القيم التي نؤمن بها وتراثنا الوطني والقومي المتمثل بتعاليم ديننا الإسلامي وحضارتنا العربية”.
واستطرد “في قطر نؤكد ضرورة التمسك بالتعايش السلمي والتعاون على الصعيد الدولي على أساس الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة طبقا لقواعد الشرعية الدولية”.
وأردف “كما نركز على قيم التسامح والعدالة والانفتاح والتفاعل بين الشعوب والثقافات والحضارات بما ينبغي لها من احترام حقوق الإنسان وعدم التمييز بين الأفراد على أساس العرق أو الجنس أو اللون أو الدين”.
و”نتمسك بقوة بضرورة تسوية المنازعات بالطرق السلمية طبقا لما يقرره القانون الدولي وبنبذ اللجوء إلى القوة وسواها من أساليب الضغط والإكراه”، كما زاد بن جاسم.
وقال “وعلى هذا الأساس ندعو دائما إلى تعزيز مكانة ودور الأمم المتحدة في العلاقات الدولية باعتبارها المحفل العالمي الوحيد الذي يجسد ميثاقه الشرعية الدولية التي تحكم سلوك الدول”.
وشدد على أنه “بهذه السياسة نواجه عالم اليوم بأزماته وصراعاته وبتحديات تحولاته ومتغيراته المتسارعة”.
وزاد “نسعى إلى تقصي وإتباع كل ما هو إيجابي في تقديرنا وتكريس كل طاقاتنا وحسب إمكاناتنا المتاحة من تعميق الصفات الإيجابية في علاقاتنا مع أعضاء الأسرة الدولية”.
وأكد حمد بن جاسم أن “هذا هو النهج الذي اخترناه، ونتحرك بموجبه لبلوغ الحلول التي تؤمن السلم والأمن والاستقرار متي قدرنا أن الفرصة متوفرة لخدمة السلام والاستقرار”.
مبادرات خليجية
وتساءل هيرمان بشأن أن غالبية المبادرات تأتي من دول الخليج العربية التي تكتسب بصورة متنامية أهمية سياسية واقتصادية، فهل بدأ مركز الثقل يتغير في العالم العربي؟
فأجاب حمد بن جاسم “تعود الأهمية الدولية لدول الخليج إلى الأهمية الإستراتيجية للمنطقة التي يشهد عليها تاريخ طويل وتوضحها مميزات الجغرافية وتوفر موارد الطاقة وسياسة الانفتاح لتحقيق المنافع المشتركة والمتبادلة”.
ويضم مجلس التعاون لدول الخليج العربية ست دول هي قطر والسعودية والإمارات والكويت وسلطنة عمان والبحرين، وأُسس في 25 مايو/ أيار 1981، ومقره الرياض.
وقال حمد بن جاسم إن “تأثير أي دولة أو مجموعة من الدول يعتمد بالدرجة الأولى على عناصر القوة والتأثير التي تملكها، وهذه العناصر ليست دائمة، بل تخضع لمتغيرات من الزمن والظروف”.
وتابع: “من هذه الزاوية، ومن وجهة نظري المتواضعة، المهم أن نكون فاعلين في بناء أنفسنا والمنطقة لما فيه خير شعوبنا والآخرين بسلم وأمان على أساس المنفعة المشتركة والمتبادلة”.
وختم بن جاسم بالتشديد على أنه “ليس مهما لنا أن نكون مركز ثقل في العالم العربي. مثل هذه الأوصاف الأكاديمية لا أعتقد أن لها موقعا في تفكيرنا”.
