في مقابلة مع معهد بروكينغز بواشنطن.. حمد بن جاسم يؤكد انحياز قطر لخيارات الشعوب وليس لجماعات معينة
وصف التحولات التي تشهدها المنطقة بعد اندلاع ثورات “الربيع العربي بأنها “موجة تسونامي” مؤكداً انحياز قطر لخيارات الشعوب .
واشنطن- 25 أبريل/نيسان 2013
أكد رئيس مجلس الوزراء وزير الخارجية القطري حمد بن جاسم بن جبر آل ثاني، الثلاثاء 25 أبريل/نيسان 2013، أن بلاده تقف بثبات إلى جانب خيارات الشعوب بمنطقة الشرق الأوسط، وليس مع جماعات بعينها، في إشارة إلى الجدل الدائر حول دعم بلاده لبعض الأطراف الإقليمية بعد اندلاع ثورات “الربيع العربي”.
ووصف التحولات التي تشهدها المنطقة بأنها “موجة تسونامي” من التغيير لا يمكن تجنبها، مشددا على أن قطر لا تسعى لاختيار قادة الدول الأخرى أو تحدد من يجب أن يحكم، بل تسعى لدعم الاستقرار بما يتماشى مع إرادة الشعوب.
جاءت تصريحات حمد بن جاسم خلال مقابلة بالعاصمة الأمريكية واشنطن أجراها معه مدير برنامج السياسة الخارجية في معهد بروكينغز مارتن إنديك، حيث ناقشا بشكل موسع التحديات التي تواجه المنطقة والدور القطري في التعامل معها.
الربيع العربي
بدأ إنديك المقابلة بسؤال عن سبب انخراط قطر النشط في أحداث الشرق الأوسط، ليجيبه حمد بن جاسم موضحا: “نحن في قلب الأحداث، وعلينا أن نرى كيف يمكننا المساعدة، وما الذي يمكننا تقديمه”.
وتطرق إلى الأسباب التي أدت إلى اندلاع الثورات بالمنطقة، قائلا: “لقد كان الشرق الأوسط في حالة جمود قبل الربيع العربي، حيث اهتم معظم القادة بمناصبهم وكيفية توريثها لأبنائهم، دون الالتفات إلى تحسين الظروف المعيشية لشعوبهم”.
وأوضح أن العديد من الحكومات بالمنطقة العربية ركزت على تعزيز أمن الأنظمة الحاكمة بدلا من تطوير الاقتصاد والتعليم وتحسين الرعاية الصحية؛ مما أدى إلى تراكم الغضب الشعبي وانفجار الثورات.
وأشار إلى أن الغضب الشعبي لم يكن وليد اللحظة، بل كان نتيجة عقود طويلة من الإهمال. وقال: “استمر الوضع على هذا النحو حتى اندلعت الشرارة في مدينة بسيطة في تونس”.
ولفت حمد بن جاسم في هذا الصدد إلى أنه زار تونس قبل أسابيع قليلة من اندلاع الثورة، وتحدث مع الرئيس التونسي آنذاك زين العابدين بن علي عن الحاجة إلى تحسين الأوضاع في المناطق الفقيرة، من خلال برامج اقتصادية تشمل توفير فرص عمل وإسكان.
وأضاف: “اقترحنا على الحكومة التونسية خططا ملموسة، وعرضت قطر المساعدة في تنفيذ هذه المشاريع؛ لأن رؤية سمو الأمير هي مساعدة الدول الراغبة في تحسين أوضاعها”.
لكنه أشار إلى أن الأوان كان على ما يبدو قد فات بالفعل، حيث وصلت الأوضاع إلى مرحلة لا يمكن السيطرة عليها.
واندلعت الثورة في تونس في 17 ديسمبر/كانون الأول 2010، عندما أقدم بائع متجول يدعى محمد البوعزيزي على إشعال النار في نفسه؛ احتجاجا على مضايقات السلطات المحلية. أدت هذه الحادثة إلى موجة من الاحتجاجات الشعبية التي تصاعدت وأدت في النهاية إلى الإطاحة ببن علي في 14 يناير/كانون الثاني 2011.
فصول الثورات لم تنته

حمد بن جاسم اعتبر أن “ما حدث في المنطقة كان ثورة بكل معنى الكلمة”، معربا عن اعتقاده بأن فصولها لم تنته بعد.
وقال: “يؤسفني أن أقول ذلك، لكنني أعتقد أن الأمر لم ينته بعد. إنها موجة تسونامي كبيرة قادمة”.
وأكد أن التحولات الجارية ستؤدي في النهاية إلى الديمقراطية، مشيرا إلى أن كل دولة يجب أن تجد طريقتها الخاصة بما يتماشى مع إرادة شعبها.
وبصراحته المعهودة، تحدث رئيس مجلس الوزراء وزير الخارجية القطري في هذا الصدد عن الوضع في منطقة الخليج، قائلا: “إذا تحدثنا عن منطقتنا، فإننا لا نتمتع بديمقراطية كاملة، لكننا أيضا لسنا في حالة ديكتاتورية كاملة. هناك نوع من العلاقة بين القيادة والشعب، والتواصل أسهل”.
واعترف بوجود أخطاء في المنطقة، لافتا على سبيل المثال إلى وجود حاجة لتحسين القوانين واللوائح والقيام بإصلاحات، لكنه لفت إلى أن قطر اتخذت خطوات كبيرة نحو الازدهار مقارنة بدول أخرى.
وأشار إلى ليبيا كمثال، قائلا إن رئيسها الراحل معمر القذافي “دمر البلاد على مدار 42 عاما، رغم أنها غنية بالموارد ولديها إمكانيات كبيرة”.
دعم خيارات الشعوب
وفيما يتعلق بالاتهامات بأن قطر تدعم “جماعة الإخوان المسلمين”، التي وصلت إلى حكم دول بالمنطقة، نفى حمد بن جاسم هذه الادعاءات بشدة، مؤكدا أن سياسة قطر قائمة على دعم إرادة الشعوب وليس أي فصيل سياسي معين.
وقال: “نحن لن نختار أو نفضل شخصا ليقود بلدا آخر. هذا ليس عملنا؛ بل هو عمل شعوب كل دولة”.
وبيّن أن قطر تقدم الدعم إذا استطاعت؛ “لأن الاستقرار الإقليمي يظل في مصلحة الجميع”.
وأوضح: “عندما دعمنا الانتفاضة في تونس، لم يكن هناك وجود لجماعة الإخوان المسلمين، وعندما قمنا بزيارتنا الرسمية للبلاد، لم تكن الحكومة إسلامية”.
وفي يناير/كانون الثاني 2012، أجرى أمير دولة قطر الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني زيارة إلى تونس للمشاركة في الاحتفالات بالذكرى الأولى للثورة التونسية.
وأكد حمد بن جاسم أن قطر تحترم خيارات الشعب التونسي؛ لأن هذا هو جوهر الديمقراطية.
وقال: “لقد اختار الشعب التونسي حكومة إسلامية، ونحن يجب أن نحترم إرادة الشعب التونسي، وإذا اختار غدا حكومة أخرى، سنظل أصدقاء وندعمه، لأن هذا هو خياره”.
وبعد تصدره نتائج انتخابات المجلس الوطني التأسيسي، التي أجريت في 23 أكتوبر/تشرين الأول 2011، يقود حزب “حركة النهضة” الإسلامي حاليا حكومة انتقالية في تونس بالتحالف مع “حزبي المؤتمر من أجل الجمهورية”، و”التكتل الديمقراطي من أجل العمل والحريات”.
دعم الثورة المصرية
تحدث حمد بن جاسم كذلك عن دعم قطر لمصر خلال الثورة والحراك السياسي الذي تلاها، موضحا أن بلاده كانت من أوائل الدول التي قدمت الدعم للجيش المصري بعد الإطاحة بنظام حسني مبارك.
وأشار إلى أن ولي العهد والأمير، وهو شخصيا، زاروا مصر في وقت مبكر لدعم المرحلة الانتقالية.
وأكد: “أعلنا عن حزمة دعم مالي كبيرة لمصر عندما تولت حكومة عصام شرف المسؤولية، وكان ذلك قبل وصول الإخوان المسلمين إلى السلطة”.
وشدد على أن قطر تتعامل مع مصر كدولة وليس مع فصيل سياسي معين.
وأضاف: “عندما اختار الشعب المصري الإخوان المسلمين، واصلنا دعمنا لمصر لأنه كان التزاما تجاه الدولة المصرية، وليس تجاه أي جماعة”.
وأجرى أمير قطر الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني زيارة إلى مصر في 29 مارس/آذار 2011، في أول زيارة له بعد ثورة 25 يناير، حيث التقى بالمشير محمد حسين طنطاوي، رئيس المجلس الأعلى للقوات المسلحة، لبحث سبل دعم الاقتصاد المصري وتعزيز التعاون بين البلدين.
كما التقى برئيس الوزراء المصري آنذاك، الدكتور عصام شرف، لمناقشة التعاون الاقتصادي والاستثماري.
وفي 13 سبتمبر/أيلول 2011، أجرى حمد بن جاسم زيارة أخرى إلى مصر، حيث التقى بالمشير طنطاوي والدكتور عصام شرف؛ لبحث تعزيز العلاقات الثنائية ودعم الاقتصاد المصري.
محاذير الفوضى
لفت حمد بن جاسم خلال المقابلة إلى محاولات من بعض الأطراف لزعزعة الاستقرار في مصر، محذرا من أن “هذه اللعبة لن تؤدي إلى جلب الأشخاص الذين يرغبون في جلبهم، بل ستؤدي إلى الفوضى”.
وأضاف أن الفوضى ستفتح الباب أمام المتطرفين الذين سيشكلون تهديدا كبيرا للمنطقة.
وتحدث عن موقف جماعة الإخوان المسلمين من إسرائيل، قائلا إنهم أعلنوا احترامهم لجميع الاتفاقيات، بما في ذلك تحركهم السريع عندما وقعت حوادث على الحدود؛ مما يعكس التزامهم بالحفاظ على الاستقرار.
وفي ختام حديثه عن مصر، شدد حمد بن جاسم على أن قطر ليست في وضع يسمح لها بالتدخل في شؤون الدول الأخرى، وأنها تفضل دائما احترام إرادة الشعوب، رغم الانتقادات والشائعات التي تنتشر في المنطقة.
وأكد قائلا: “نحن نعلم كيف تنتشر الشائعات في الشرق الأوسط، وعندما نغضب من بعضنا البعض، نحاول نشر شائعات ضد بعضنا. لكننا نركز على مساعدة من يريدون تحسين أوضاعهم”.
الملف السوري
وبخصوص موقف بلاده من الأوضاع في سوريا، أشار حمد بن جاسم إلى أن قطر لم تكن ترغب في تولي القيادة في هذا الملف. وقال: “لم نكن نرغب في أن نكون في المقدمة. لقد ناشدنا العديد من الدول أن تتقدم لتقود الجهود، لكننا وجدنا أنفسنا في المقعد الأمامي”.
وأضاف أن قطر حاولت منذ البداية إقناع الرئيس السوري بشار الأسد بإجراء إصلاحات جدية.
وتابع: “في البداية لم تكن هناك ثورة، بل كانت انتفاضة تطالب ببعض الأمور، لكنها قوبلت بعنف شديد، حيث قُتل 160 شخصًا في اليوم الأول فقط”.
وأوضح أن أمير قطر تحدث مع الأسد، وحثه على اتخاذ خطوات لتهدئة الوضع، لكن الأسد لم يأخذ النصيحة بجدية.
ولفت إلى أنه أجرى أيضا زيارة على دمشق، في 26 أكتوبر 2011، عل رأس وفد وزاري للجامعة العربية، حيث التقى الأسد وحثه على التوقف عن قتل الشعب، لكن الأخير ذهب إلى البرلمان وسخر من دماء الناس التي سالت في الشوارع، مما أكد أنه لم يكن جادًا في الإصلاح.
وأشار إلى أن النظام السوري وعد بإجراء محادثات مع المعارضة، لكن هذه الوعود لم تترجم إلى أفعال.
وأوضح حمد بن جاسم أن قطر، بالتعاون مع الجامعة العربية، حاولت التوصل إلى حل سلمي للأزمة السورية، لكن النظام استمر في استخدام العنف.
وأضاف: “عملنا من خلال الجامعة العربية لبضعة أشهر، وأرسلنا فرق مراقبة، واتخذنا العديد من القرارات، لكننا وجدنا أن النظام مصمم على القتل حتى يحقق النصر”.
وأشار إلى أنه لو كان المجتمع الدولي قد تدخل بشكل جدي قبل عام، لما كانت الجماعات المتطرفة مثل جبهة النصرة قد ظهرت بهذه القوة.
وأكد أن تأخر التدخل سمح لهذه الجماعات بالنمو.
وبشأن استخدام النظام السوري للأسلحة الكيميائية ضد شعبه، قال حمد بن جاسم: “لقد وضعنا العديد من الخطوط الحمراء، لكن لم يكن هناك رد فعل حاسم عندما تجاوز الأسد هذه الخطوط”.
ولفت إلى أن عدم اتخاذ إجراءات قوية شجع الأسد على مواصلة القمع.
وردا على اتهامات بأن قطر تدعم “الجماعات السيئة” في سوريا، نفى حمد بن جاسم ذلك بشدة، موضحا أن بلاده لم تقدم أي دعم مالي أو عسكري لهذه الجماعات، وأن قطر تعمل من خلال غرفة عمليات مشتركة مع حلفائها، بما في ذلك الولايات المتحدة، في الأردن وتركيا لضمان وصول المساعدات إلى مستحقيها.
الملف الإيراني
وعندما سأله إنديك عن الملف الإيراني، أعرب حمد بن جاسم عن قلقه بشأن الطموحات النووية لإيران، لكنه أكد على أهمية الحوار.
وقال: “لدينا علاقة جيدة وتفاهم مع إيران، رغم أننا لا نتفق في كل شيء”.
وأضاف: “إذا تحدثنا عن الملف النووي، فالإيرانيون لديهم بعض الحقوق، لكن لدينا أيضا حقوق كجيران، حيث لا نريد أن نرى أي أسلحة نووية في المنطقة، فهذا أمر مهم لاستقرارها”.
وتابع: “الإيرانيون يقولون رسميا إنه ليست لديهم طموحات لامتلاك سلاح نووي، وآمل أن يكون هذا صحيحا. وإذا كان الأمر كذلك، فلديهم الحق في المعرفة”.
وشدد على ضرورة إجراء محادثات جادة مع إيران بجدول زمني محدد لتجنب أي تصعيد.
السلام مع إسرائيل
وفي ختام حديثه، تطرق حمد بن جاسم إلى مبادرة السلام العربية، مشيرا إلى أن تحقيق السلام يتطلب التحدث مع “العدو” إذا كانت هناك نية حقيقية لحل النزاع.
وقال إن وزير الخارجية الأمريكي جون كيري يأخذ مسألة السلام بجدية، ويعرف أن الوقت محدود.
وأكد أن العرب مستعدون للحديث مع إسرائيل عندما يكون هناك اقتراح حقيقي وواقعي على الطاولة.
وأضاف: “الجميع يعرف الحل، وهو العودة إلى حدود 1967 مع تبادلات متفق عليها، لكن الأمر يحتاج إلى قادة شجعان ووساطة عادلة”.
وحذر من أن استمرار النزاع سيؤدي إلى صراع أكبر في المستقبل، مشددا على أن المنطقة بحاجة إلى قرارات جريئة لتحقيق الاستقرار.
