حمد بن جاسم يستعرض موقف قطر من مبادرة الشرق الأوسط الكبير
خلال محاضرة في نيويورك استعرض حمد بن جاسم موقف قطر من مبادرة الشرق الأوسط الكبير ومحددات السياسة القطرية والقضية الفلسطينية وأزمة العراق وموضوعات أخرى.
نيويورك – 23 أبريل/نيسان 2004
أعلن النائب الأول لرئيس مجلس الوزراء وزير الخارجية القطري حمد بن جاسم بن جبر آل ثاني، أن الدوحة ستتعاطى مع المبادرة الأمريكية المعروفة باسم “الشرق الأوسط الكبير” عبر الحوار بشأنها قبل اتخاذ موقف منها.
جاء ذلك في محاضرة ألقاها، بن جاسم، الجمعة 23 أبريل/نيسان 2004، أمام “مجلس العلاقات الخارجية” في نيويورك، بصفته عضوا بالمجلس، تناول فيها محددات السياسة الداخلية والخارجية لقطر.
موقف قطر من مبادرة الشرق الأوسط الكبير
وقال بن جاسم: “موقف قطر من مبادرة الشرق الأوسط الكبير يتركز في استجلاء المضامين والتثبت مما تنطوي عليه أفكار المبادرة والنتائج التي تقود إليها بصورة عقلانية من خلال الحوار، وليس القبول أو الرفض كخيارات حتمية”.
وأضاف: “قطر لديها ثوابت أساسية، نحن مع ضرورة الإصلاح، ومع الحاجة إلى التحديث والتطوير، ونؤيد الديمقراطية وقيام المؤسسات وضمان الحقوق الأساسية للإنسان”.
واستدرك بن جاسم: “لكن تحقيق هذه الأهداف يجب أن ينطلق من إرادة الشعوب وتطلعات أبنائها بما يتلاءم مع خصوصياتها الثقافية”.
كما أكد على “ضرورة أن تقوم عملية الإصلاح وتعزيز الديمقراطية على أساس شراكة استراتيجية بين دول وشعوب المنطقة، ومع سائر الأطراف الدولية المؤثرة في العلاقات الدولية”.
و”الشرق الأوسط الكبير” هو مصطلح أطلقته إدارة الرئيس الأمريكي جورج دبليو بوش على منطقة واسعة تضم الدول العربية، إضافة إلى تركيا وإسرائيل وإيران وأفغانستان وباكستان، في إطار مبادرة لتشجيع الإصلاح السياسي والاقتصادي والاجتماعي بها.
وتم الإعلان عن نص المبادرة في مارس/آذار الماضي، بعد أن طرحته واشنطن على مجموعة الدول الصناعية الثماني، والذي يتوقع أن تبلور موقفا موحدا تجاهها خلال قمتها المقررة في يونيو/حزيران المقبل.
محددات السياسة الخارجية لدولة قطر
وواصل بن جاسم في محاضرته تسليط الضوء على محددات السياسة الخارجية لبلاده، موضحا أن “أولوياتها تحددت من قناعاتها واجتهاداتها الذاتية ومن قيمها وتراثها المتمثل بتعاليم الدين الإسلامي والحضارة العربية”.
وقال إن “قطر تؤكد دائما على ضرورة التمسك بالتعايش السلمي والتعاون على الصعيد الدولي على أساس الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة طبقا لقواعد الشرعية الدولية وقيم التسامح والعدالة والانفتاح والتفاعل بين الشعوب والثقافات والحضارات”.
وأشار إلى “تمسك قطر، كذلك، بضرورة تسوية المنازعات بالطرق السلمية طبقا لما يقرره القانون الدولي، ونبذ اللجوء إلى القوة وما سواها من أساليب الضغط”.
وأوضح بن جاسم أن قطر -على هذا الأساس- “تدعو دائما إلى تعزيز مكانة ودور الأمم المتحدة في العلاقات الدولية”.
ولفت إلى أن “الأزمات في منطقة الشرق الأوسط والخليج تكتسب طابعا حادا ومتصاعدا يفرض بذل أقصى الجهود من أجل إيجاد الحلول السريعة لها أو على الأقل الحد من تفاقمها”.
الدستور الجديد لدولة قطر
وحول محددات السياسة الداخلية لقطر، قال بن جاسم: “نحن نؤمن بأن مرتكزات السياسة الخارجية الصحيحة يجب أن تستند علي توجهات سياسية واقتصادية واجتماعية على الصعيد الداخلي”.
وألمح إلى أن “هذه التوجهات يجب أن تتواءم مع الخصائص التي تتميز بها العلاقات الدولية والتوجهات الإنسانية لشعوب المجتمع الدولي”.
وقال وزير الخارجية القطري إن “أمير البلاد، الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، حدد رؤيته منذ توليه السلطة عام 1995، والتي تهدف إلى استكمال بناء الدولة العصرية القائمة على الدستور والقانون والمؤسسات”.
وأشار إلى أن “رؤية أمير البلاد تتضمن أيضا حريات المواطنين وحقوقهم ومسؤولياتهم في مجتمع يقوم على التحديث والإصلاح والتنمية”.
وأوضح بن جاسم أن “هذه هي السياسة العليا لقطر على الصعيد الداخلي، وهي سياسة تم اعتمادها قبل أحداث هجمات 11 سبتمبر/أيلول 2001 على الولايات المتحدة”.
ولفت إلى أنه “تم تنفيذ مستوى متقدم من هذه السياسة، وسيتم مواصلة ترسيخها لحين تحقيق أهدافها بالكامل، حيث يجري الآن العمل على إرساء قواعد الديمقراطية والمشاركة الشعبية في الحكم والإدارة وصناعة القرار”.
وذكر -في هذا الصدد- أنه تم إقرار أول دستور دائم لقطر عبر استفتاء عام أجرى في 29 أبريل/نيسان 2003، ويجري حاليا التحضير لإجراء أول انتخابات نيابية في تاريخ قطر بموجب هذا الدستور.
ويضمن الدستور الجديد الحريات والحقوق الأساسية لجميع المواطنين رجالا ونساء، وينظم أسس العلاقة بين الحاكم والمحكوم في إطار القانون، ويقر مبادىء المساءلة والمحاسبة والشفافية في الحكم والإدارة.
افتتاح المدينة التعليمية بالدوحة
ولفت بن جاسم إلى أن القيادة السياسة في قطر تعمل من جانب آخر على تطوير القدرات التنموية، وخاصة العلمية منها، وتحديث المؤسسات التربوية والثقافية.
وأشار في هذا الصدد إلى افتتاح “المدينة التعليمية” بالدوحة 13 أكتوبر/تشرين الأول الماضي، وأعرب عن أمله في أن تكون تلك المدينة صرحا حضاريا في قطر والبلاد العربية، وجسرا يقرب بين الشرق والغرب.
و”المدينة التعليمية” هي حرم جامعي يمتد لمساحة تزيد على 12 كيلو مترا مربعا، ويحتضن فروعا لمجموعة من أرقى الجهات التعليمية على مستوى العالم، إلى جانب جامعة محلية، وغيرها من المراكز البحثية والتعليمية والمجتمعية.
وأكد بن جاسم أن قطر تسعى إلى “إعطاء أولوية قصوى لتحقيق التنمية الاقتصادية، وتشجيع سبل الاستثمار والتبادل التجاري والتطوير الصناعي على أسس المبادرة الفردية وتعزيز دور القطاع الخاص والانفتاح على الأسواق العالمية”.
الأوضاع المأساوية للقضية الفلسطينية
وأعرب النائب الأول لرئيس مجلس الوزراء القطري، عن “القلق حيال الأوضاع المأساوية، التي آلت إليها القضية الفلسطينية والصراع في الشرق الأوسط”.
ودعا إلى “مضاعفة الجهود والعمل بجد لوضع حد لدوامة العنف، وإرساء السلام والأمن بأسرع وقت ممكن وفقا لميثاق الأمم المتحدة والقانون الدولي وقواعد الشرعية الدولية والمرجعيات الدولية المقررة لإحلال السلام والأمن للجميع”.
وأوضح وزير الخارجية القطري أن “القرار الإسرائيلي الأخير أحادي الجانب بالانسحاب من غزة، والذي حظي بتأييد واشنطن، له إيجابياته وسلبياته، حيث أنه جرى دون مشاركة الطرف الآخر المعني بالقضية، وهو الجانب الفلسطيني”.
وخلال لقائه الرئيس بوش في 14 أبريل/نيسان الجاري، كشف رئيس الوزراء الإسرائيلي أرئيل شارون عن خطة سياسية تتضمن إخلاء قطاع غزة، بما في ذلك المستوطنات الإسرائيلية الموجودة فيه.
وبارك بوش خطة شارون “الانسحاب أحادي الجانب”، وتعرف أيضا باسم “فك الارتباط”، في حين انتقدتها السلطة الفلسطينية ودول عربية، واعتبروها إحدى حيل شارون للالتفاف على خطة السلام التي أقرها المجتمع الدولي.
أزمة العراق ومستقبل المنطقة
وفيما يتعلق بالعراق، أكد بن جاسم “إيمانه العميق بأن مستقبل المنطقة مرهون إلى حد كبير بمستقبل هذا البلد العريق”.
وأعرب عن “اعتقاده بضرورة معالجة السلبيات الناتجة عن الوضع الراهن بفاعلية وحزم على مختلف الأصعدة، وأن تتحمل سلطات التحالف الدولي في العراق المسؤولية التي يمليها عليها ميثاق الأمم المتحدة والقانون الدولي”.
وأضاف أنه “بات من الضروري أن يتحقق جهد عالمي وإقليمي مشترك يكون فيه للأمم المتحدة دور رائد للمساهمة في تطبيع الوضع السياسي في العراق وإعادة إعماره”.
وأكد في هذا الصدد على “ضرورة الحفاظ على وحدة العراق وسلامته الإقليمية، حرصا على هذا البلد العربي والمنطقة بأسرها”.
خلط مضلل بين الإرهاب والإسلام
وخلال محاضرته، أدان بن جاسم بشدة “كل أنواع العنف والتطرف والإرهاب”، معربا عن “رفضه لمحاولات بعض الأوساط السياسية والإعلامية والأكاديمية الغربية للربط بين الإرهاب والتطرف وبين الإسلام كدين وحضارة وثقافة وتراث”.
وأكد أن “جوهر الإسلام معروف، ولا يحتاج إلى تزكية، كما أن الإسهام الإسلامي في الحضارة الإنسانية بكل جوانبها لا يمكن أن يرقى إليه شك”.
وأوضح النائب الأول لرئيس الوزراء القطري أن “ظاهرة الإرهاب والتطرف تمثل تعبيرا عن توجهات سياسية لا علاقة لها بالدين، ويجب التعامل معها على هذا الأساس حتى يصبح بالإمكان معالجتها بنجاح”.
وأشار في هذا الصدد إلى أن “الأعمال الإرهابية لم تطل الدول الغربية وحدها، بل شملت أيضا الدول العربية والإسلامية، مما يدلل على أن هدف الإرهاب أوسع بكثير مما يتصوره البعض”.
وطالب وزير الخارجية القطري بـ”ضرورة تصحيح المفاهيم المغلوطة عن العرب والمسلمين بعد أن باتت الآثار السلبية والنتائج الكارثية للإرهاب غير مقتصرة على فئة دون الأخرى”.
ودعا إلى “تقصي الأسباب الكامنة وراء ارتكاب تلك الأعمال الإرهابية من أجل توسيع آفاق النجاح التي تعود بالخير على المجتمع الدولي”.
مجلس العلاقات الخارجية
ووصل وزير الخارجية القطري إلى نيويورك، اليوم الجمعة 23 أبريل/نيسان، في إطار زيارة رسمية للولايات المتحدة، يلتقي خلالها كبار المسؤولين وصناع القرار.
وتأسس “مجلس العلاقات الخارجية” عام 1921، وهو مؤسسة فكرية أمريكية غير ربحية متخصصة في السياسة الخارجية الأمريكية والشؤون الدولية، يقع مقرها الرئيسي في مدينة نيويورك.
ويضم المجلس في عضويته آلاف الشخصيات البارزة داخل أمريكا وخارجها، بينهم وزراء خارجية وسياسيون ومفكرون ورجال أعمال وصحفيون.
ويكرس المجلس أنشطته في مساعدة أعضائه على فهم أفضل للعالم والسياسة الخارجية والخيارات المتاحة أمام الولايات المتحدة والبلدان الأخرى.
مصادر الخبر:
رؤية الأمير حددت أسس بناء الدولة العصرية القائمة علي الدستور والقانون
