حمد بن جاسم ينفي ما تردد عن إمكانية نقل صدام للسجن في قطر
خلال مقابلة أجراها حمد بن جاسم مع الجزيرة، كشف حقيقة نقل صدام للسجن في قطر، إضافة للحديث عن الوساطة القطرية بين ليبيا وأمريكا.
الدوحة – 31 ديسمبر/كانون الأول 2003
نفى النائب الأول لرئيس الوزراء وزير الخارجية القطري حمد بن جاسم بن جبر آل ثاني، الأربعاء 31 ديسمبر/كانون الأول 2003، ما تردد عن إمكانية نقل الرئيس العراقي المطاح به صدام حسين للسجن في قطر.
جاء ذلك في مقابلة مع برنامج “بلا حدود” على قناة “الجزيرة”، أرجع خلالها وزير الخارجية القطري أمر محاكمة صدام من عدمه إلى الشعب العراقي، متمنيا أن يحظى بمحاكمة عادلة.
كما تناولت المقابلة العديد من الموضوعات الأخرى، بينها الحديث عن تفاصيل زيارة بن جاسم لصدام قبيل الغزو الأمريكي، وأهداف الولايات المتحدة، والوساطة القطرية بين ليبيا وواشنطن.
حقيقة نقل صدام للسجن في قطر
وردا على سؤال بشأن مدى صحة ما يتم تداوله بشأن اتصالات تجريها الدوحة مع واشنطن من أجل نقل صدام للسجن في قطر مدى الحياة للحفاظ على صورته كزعيم عربي، قال بن جاسم: “هذا غير صحيح أبدا”.
وأضاف أن “جهة معروفة (لم يذكرها) روجت حتى لشائعة أن صدام مسجون في قطر”، مستغلة التعاطف في الشارع العربي مع الأخير.
وتابع: “حسب الاتفاقيات الموقعة بيننا وبين الولايات المتحدة، لا يمكن نقل صدام للسجن في قطر دون علم السلطات القطرية، ولم نتكلم عن سجن أبدي له في بلدنا”.
ولفت إلى أن “صدام، حسب ما سمعنا، سيُحاكم في العراق، و”نأمل أن يحظى بمحاكمة عادلة، وأن يأخذ جزاءه إذا كان مذنبا”.
وفي 13 ديسمبر/كانون الأول 2003، نفذت قوات المارينز الأميركية عملية عسكرية مباغتة؛ أفضت إلى اعتقال صدام حسين.
لقاء حمد بن جاسم وصدام
وبشأن مقابلته مع صدام في أغسطس/آب 2002، أكد بن جاسم أن زيارته بغداد في هذا الوقت كانت بتوجيهات من أمير قطر الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني من أجل توضيح الصورة لصدام.
ولفت إلى أنه تم إخطار الأمريكان فقط بها، بجانب أخذ إذن من الأمم المتحدة للسماح بهبوط الطائرة التي أقلته إلى هناك.
وتحدث بن جاسم عن تفاصيل وأجواء اللقاء الذي جرى مع صدام بالقصر الجمهوري واستمر لساعتين.
وقال إنه بعد تبادل عبارات الترحيب، أبلغ صدام بوجود قرار دولي بتنحيته عن السلطة بالقوة إذا لم يتنح طواعية؛ بدعوى أن العراق لم ينفذ قرارات المجتمع الدولي المتعلقة بفريق المفتشين عن أسلحة الدمار.
وأضاف: “قلت له: تصورنا في قطر أن الحرب (على العراق) واقعة، حسب الاستعدادات التي كانت تُجرى”، لافتا إلى أن قوات أمريكية بدأت تصل إلى قطر في ذلك الوقت، وإنها “لم تأت للنزهة أو التخويف”.
وتابع: “قلت لصدام بشكل واضح: يجب أن تتخذ قرار واحد صائب؛ فالقضية الآن ليست قضية أسلحة دمار شامل، وإنما المطلوب هو رأسك أنت”.
ونفى بن جاسم روايات زعمت أن صدام طرده من مكتبه خلال المقابلة، قائلا: “هذا كلام غير صحيح طبعا”.
رد صدام على طلب تنحيته
وحول رد فعل صدام، قال بن جاسم إن الرئيس العراقي المطاح سأله بهدوء عن وضع القوات الأمريكية في قطر.
وأوضح: “سألني صدام سؤالا مباشرا: هل ستسمحون للأمريكان باستعمال أراضيكم في مهاجمة العراق؟، فقلت له إن قطر لديها التزامات وتعاقدات عسكرية مع أمريكا”، و”هي تحترم تعهداتها”.
وأضاف بن جاسم: “قال لي صدام: أفهم أن تستقبل الكويت قوات أجنبية، وأن تشن تلك القوات هجوم علينا منها؛ لأنني هاجمت الكويت، لكن أنتم لماذا؟”.
وتابع: “قلت له: نحن نتحدث عن وضع دولي عام، ونحن جزء منه، حتى قطر لا تستطيع أن تعمل شيء غير ما يعمله الجيران من حولنا”.
ولفت إلى أنه نصح صدام بألا يصدق الرسائل التي تأتيه من البعض، بأنهم لن يسمحوا للأمريكان باستخدام أراضيهم في ضرب العراق، أو لن يستقبلوا قوات أجنبية.
وذكر أنه قال له إن الجميع “سيشارك بشكل أو بآخر في في الحملة (العسكرية) التي ستحدث” ضد العراق.
واستطرد: “قلت له: عليك أن تتخذ قرارا، هل تريد العراق أن يبقى وتضحي بنفسك بطريقة أو بأخرى؟ هذا قرار يرجع لك”. ولفت إلى أن صدام كان يستمع له بإنصات، وكان يكتب الملاحظات.
وأشار بن جاسم إلى أن الدول العربية لم تكن على علم بالرسالة التي حملها إلى صدام، لكنه قال إنه تم إخطار بعض الدول العربية والجهات الدولية لاحقا بما حصل في المقابلة.
وذكر أنه لم يتوقع أن يقبل صدام بالعرض الذي قدمه له، “لكن كان عندي أمل أنه في آخر لحظة يقول: أنا أفدي شعبي بنفسي والسلطة”.
وبشأن طبيعة هذا الفداء الذي كان يمكن أن يقدمه صدام، قال بن جاسم: “كان يمكن أن يتنحى، أو يقرر إجراء انتخابات رئاسية حرة تحت إشراف الأمم المتحدة، ثم يسحب نفسه بهدوء” إذا خسر فيها.
استقبال صدام قبل الغزو
وبخصوص ما إذا كانت قطر آنذاك مستعدة لاستقبال صدام، قال بن جاسم: “كنا سندرس هذا الأمر إذا كان فيه حل للمشكلة”.
واستطرد: “أنا أبلغته بوجهة نظرنا أن الحرب قائمة، وأن عليه ألا يصدق من يقول له إنه لن تكون هناك حرب، وأن عليه أن يتصرف من هذا المنطلق، فهو لن يستطيع مواجهة أمريكا، وعليه أنه يفكر بشعبه”.
وبشأن ما إذا كان صدام قدم أي تنازلات أو عروض للأمريكان في مقابل بقائه بالسلطة، قال بن جاسم: “كان دائما يتكلم عن المصالح، وإنه إذا كان الموضوع موضوع مصالح أو شيء فنحن مستعدون لتقديمها”.
وأوضح: “يعني كان مثلا يتكلم عن النفط، فقلت له: لا أعتقد أن هذا الموضوع مطروح على الطاولة الآن، المطروح الآن هو طي صفحة وجودك في السلطة”.
وبشأن ما بحثه مع الأمريكان خلال زيارته لواشنطن في يناير/كانون الثاني 2003، قال بن جاسم: “عرضت عليهم فكرة عمل مرحلة انتقالية بالعراق، وشيء من هذا النوع، لكن الأمريكان لم يتجاوبوا مع الطرح”.
وأضاف: “قبل زيارة الولايات المتحدة كان واضحا أن الأمريكان حسموا أمرهم بإبعاد صدام عن السلطة وتغيير نظام الحكم في العراق، وتأكد ذلك لي عندما قمت بالزيارة”.
أهداف الأمريكان من الغزو
أما عن نجاح الأمريكان في تحقيق أهدافهم الاستراتيجية في العراق من عدمه، قال بن جاسم: “بعض الأهداف الاستراتيجية تحققت؛ فصدام لم يعد موجودا بالسلطة، وتأكد أنه لم تكن لديه أسلحة دمار شامل”.
وفي 9 أبريل/نيسان 2003، دخلت القوات الأمريكية بغداد، بعد عملية عسكرية بمساعدة بريطانيا ودول أخرى لاحتلال العراق.
وبخصوص الاستراتيجية الأمريكية القادمة، قال رئيس الوزراء القطري: “حسب ما قاله الأمريكان إنهم يريدون خلق ديمقراطية بالعراق تكون نموذجا إيجابيا لباقي دول المنطقة”.
ورأى أنه بإمكان “العراق أن يكون نموذجا (لدول المنطقة)؛ فلو عدنا للعشرينات في القرن الماضي، سنجد أن العراق كان بلدا متقدما في أشياء كثيرة عن كثير من الدول العربية”.
وأوضح أن العراق في ذلك الوقت “كان فيه التلفزيون، والإذاعة، والطيران الحربي، والطيران المدني، ومجتمع مدني”.
وأضاف: “حتى أيام الملكية في العراق (1932-1958) كانت هناك أحزاب وانتخابات وحكومات منتخبة”.
وتساءل: “ما الذي يمنع تكرار ذلك اليوم في العراق تحت أي نظام يختاره الشعب العراقي سواء أكان جمهوريا أو فيدراليا؟”.
وذكر أن “الأعراق المتعددة التي يتكون منها العراق، سواء التركمان أو الكرد أو الشيعة أو السنة، لن تشكل معضلة؛ فهي يمكن أن تتفق إذا وجدت العدالة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية المتمثلة في توزيع الثروة”.
وبشأن ما يُقال بأن قطر أصبحت ملجأ لكثير من رموز نظام صدام، قال بن جاسم: “لدينا عاداتنا العربية والقبلية (التي تحث على إكرام الضيف وإغاثة الملهوف)”.
وأضاف: “استقبلنا بعض العوائل العراقية من النساء والأطفال، وبخلاف العوائل يوجد عندنا شخص أو شخصين غير مطلوبين دوليا”.
وأوضح: “إذا كان الشخص غير مطلوب دوليا، ويريد أن يلجأ لقطر لسبب أو لآخر فنحن ندرس هذا الأمر بعناية”. مؤكدا أن القرار بهذا الصدد قرار قطري ولا يتم بترتيب مع الأمريكان.
الوساطة القطرية بين ليبيا وأمريكا
وفي سياق آخر، كشف بن جاسم عن دور لعبته الدوحة في تقارب ليبيا مع الولايات المتحدة وبريطانيا بخصوص الكشف عن برنامجها لأسلحة الدمار الشامل.
وأضاف مستدركا: “لم يكن دورا أساسيا، وإنما قمنا بنقل رسائل تتضمن وجهات نظر هذه الأطراف بهدف المساعدة على التقريب فيما بينها، فضلا عن تقديم رأينا في بعض الأحيان”.
وفي 20 ديسمبر/كانون الأول 2003، أعلنت ليبيا قرارها التخلص من المعدات والبرامج التي قد تؤدي إلى إنتاج أسلحة محظورة دوليا، مؤكدة استعدادها للتعاون مع المؤسسات الدولية.
ورفض بن جاسم الكشف عن محتوى هذه الرسائل، لكنه أكد أنها كانت تصب في مصلحة تحقيق التقارب والتفاهم الليبي الأمريكي والبريطاني بخصوص إنهاء برنامج أسلحة الدمار الشامل في ليبيا.
وأشار إلى أن الدوحة لم تفاجأ بقرار العقيد معمر القذافي على هذا الصعيد، وقال إن الأخير “تصرف بحكمة حفاظا على شعبه وبلاده، وتجنب أي مغامرات أو أمور قد تتخذ كذريعة ضده”.
كما كشف أن قطر لعبت دورا في ترتيب علاقات السودان بالولايات المتحدة؛ وذلك للمحافظة على وحدة السودان، وتجنب تعرضه للتقسيم.
وأوضح أن الأمر لم يصل إلى حد الوساطة، لكننا ساهمنا في الاتصالات بين الخرطوم وواشنطن حتى بلغت العلاقات بينهما مرحلة متقدمة.
وأعرب عن ارتياحه لهذا التقدم الذي يصب باتجاه توحيد السودان، وحتى لا تستغل بعض الأطراف ظروف الحرب في الجنوب بصورة سلبية.
