حكومة السودان والعدل والمساواة توقعان اتفاقا بوساطة قطرية
بعد 8 أيام من محادثات ماراثونية، حكومة السودان والعدل والمساواة توقعان اتفاقا بوساطة قطرية، بشأن السلام في دارفور.
الدوحة – 17 فبراير/شباط 2009
شهدت العاصمة القطرية الدوحة، الثلاثاء 17 فبراير/شباط 2009، توقيع “اتفاق حسن نوايا” بين الحكومة السودانية وحركة العدل والمساواة تمهيدا لمحادثات تنهي الصراع الدائر منذ أعوام في إقليم دارفور.
واستضاف الديوان الأميري بالدوحة حفل التوقيع على الاتفاق، بحضور رئيس مجلس الوزراء وزير الخارجية القطري حمد بن جاسم بن جبر آل ثاني. والوسيط المشترك للأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي إلى دارفور جبريل باسولي، ومساعد الرئيس السوداني نافع علي نافع.
وجاء التوقيع على الاتفاق في ختام محادثات ماراثونية استمرت 8 أيام برعاية قطرية ودعم الدول دائمة العضوية في مجلس الأمن ودول الجوار والاتحاد الأفريقي وجامعة الدول العربية ومنظمة المؤتمر الإسلامي.
ووقع على الاتفاق ممثلا للحكومة السودانية، وزير الدولة بوزارة الثقافة والشباب والرياضة أمين حسن عمر، ورئيس حركة “العدل والمساواة” خليل إبراهيم.
حكومة السودان والعدل والمساواة
ووفق نص الاتفاق الذي نشرته وكالة الأنباء القطرية الرسمية (قنا)، وافق الطرفان “على اتباع نهج شامل يخاطب جذور المشكلة ويحقق السلام الدائم في البلاد”.
ونص الاتفاق على اتخاذ “كافة التدابير الكفيلة بإيجاد بيئة مواتية تساعد على التوصل إلى تسوية دائمة للصراع”.
ومن بين التدابير المطلوبة، وفق الاتفاق، “الكف عن صنوف المضايقات كافة تجاه النازحين”، و”ضمان انسياب مساعدات الإغاثة إلى مستحقيها من دون أية عوائق أو عراقيل” في الإقليم.
إضافة إلى “الالتزام بتبادل الأسرى، وإطلاق سراح المسجونين والمحكومين والمحتجزين والمعتقلين، بسبب النزاع بينهما بناء للثقة وتسريعا للعملية السلمية”.
كما نص الاتفاق على أن “تقوم قطر، والوسيط المشترك للأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي إلى دارفور جبريل باسولي، بالتواصل مع الطرفين، لعمل جدول لإتمام إطلاق سراح الأسرى والمحتجزين”.
واتفق الطرفان على العمل من “أجل إبرام اتفاق إطاري في وقت مبكر يفضي إلى اتفاق لوقف العدائيات ويضع الأسس للتفاوض حول القضايا التفصيلية”.
وتعهدا بـ”الاستمرار في محادثات السلام وإبقاء ممثليهما في الدوحة من أجل إعداد اتفاق إطاري للمحادثات النهائية”، و”إتباع الاتفاق الإطاري بمحادثات جادة تؤدي إلى إنهاء الصراع في أقصر وقت ممكن لا يتجاوز 3 أشهر”.
وفي 10 فبراير/شباط 2009، انطلقت الجولة الأولى من “محادثات سلام دارفور” بين الحكومة السودانية وحركة “العدل والمساواة” بالعاصمة القطرية الدوحة.
وهدفت محادثات الدوحة التي تواصلت لـ8 أيام إلى التوصل إلى اتفاق إطار يبنى عليه للمضي قدما في مفاوضات ترسي سلاما دائما وشاملا فـي الإقليم.
وفي نهاية المحادثات، تم التوصل إلى اتفاق بين حكومة السودان والعدل والمساواة، يتضمن نصا على البدء فورا في مشاورات ترمي إلى التوصل إلى الاتفاق الإطاري.
و”الاتفاقيات الإطارية” هي ترتيبات بين أطراف تتضمن الشروط والمبادئ التي تحكم الاتفاقيات النهائية المراد إبرامها لاحقا.

تحول تاريخي للصراع بدارفور
وعقب مراسم التوقيع، قال بن جاسم، في مؤتمر صحفي مشترك بالديوان الأميري إن ما تحقق يعد “إنجازا وتحولا مهما في تاريخ الصراع بدارفور، ونقطة انطلاق لبدء عملية السلام الشامل في الإقليم”.
ووصف المحادثات التي شهدتها الدوحة بأنها كانت “شاقة ومضنية، لكن تخللتها عزيمة ورغبة من الأطراف كافة على العمل الفعلي من أجل البدء في عملية السلام الحقيقي في دارفور”.
وتوجه الوزير القطري بالشكر إلى كل من أسهم في هذه المحادثات سواء على الصعيد الأفريقي أو الدولي.
ورأى أن اتفاق حسن النوايا بين حكومة السودان والعدل والمساواة، الذي تم توقيعه، “مقدمة لاتفاق إطار ما المأمول أن يتم التوصل إليه في الجولة الثانية من المحادثات التي ستعقد بالدوحة بعد أسبوعين”.
وأوضح أن الجولة القادمة ستستهدف “إنهاء العداءات، ووضع حل نهائي لأزمة النازحين والمعتقلين تمهيدا للسلام الشامل في دارفور، الذي نأمل أن يتم بأسرع ما يمكن حتى ينعم السودان الشقيق وأهله بالأمن والاستقرار”.
وجدد بن جاسم دعوة باقي الفصائل في دارفور، قائلا إن “اتفاق النوايا مفتوح أمامهم للانضمام إليه”.
وكانت فصائل دارفورية عدة رفضت المشاركة في محادثات الدوحة بدعوى أنها ليست مفاوضات جدية، وإنما مشروع مصالحة بين الإسلاميين سواء في الحكومة أو مسلحي دارفور.
ورأى رئيس الوزراء القطري أن “السعي إلى اتفاق سلام بين السودان وتشاد سيساعد كثيرا في عملية إحلال السلام بدارفور”.
وقال واعدا “نحن والأخوة في ليبيا سنسعى لذلك (التوصل لاتفاق سلام بين السودان وتشاد)، ونتمنى عمل شيء في القريب العاجل يسهل عملية السلام” في دارفور.
ومنذ عام 1987، اندلعت أزمة عنيفة بين الجارتين تشاد والسودان، حيث تتهم إنجمينا الخرطوم بإيواء مسلحين معارضين والهجوم على بلدات حدودية، فيما تتهم السودان تشاد بالضلوع في حرب دارفور.
جهود شاقة للاتفاق
وقال مساعد الرئيس السوداني نافع علي نافع “نشكر أمير قطر ومعالي الوزير بن جاسم والسيد جبريل باسولي، وكل من أسهم في العمل على بلوغنا هذا الاتفاق، الذي استغرق جهودا كبيرة وشاقة ومطولة”.
وقال إن “هذا الإنجاز الكبير ساعدنا عليه كذلك الاتحاد الأفريقي والأمم المتحدة ودول الجوار والأسرة الدولية من خلال دعم متواصل لجهود السلام”.
وأعرب عن الأمل بـ”استمرار الجهود ليكتمل السلام الشامل والعادل للسودان وأهله”، مضيفا: “نحن جميعا متفقون على أن اللقاء قريب من أجل الاتفاق الشامل، وهذا أمر ممكن ومتاح”.
وأشار إلى أن اتفاق الدوحة “يشكل دعما للنازحين والمهجرين من أجل عودتهم إلى منازلهم بعد أن توفر الحكومة لهم جميع المستلزمات الأساسية على نحو يعزز الأمن والاستقرار في دارفور”.
وأكد تصميم الطرفين على إكمال المشوار من أجل السلام الحقيقي العادل والشامل للسودان كله”.
وردا على سؤال حول أسباب عدم التوصل إلى اتفاق إطاري في هذا الجولة من المفاوضات، قال نافع: “كنا نأمل في الوصول إلى اتفاق إطاري، لكننا اتفقنا على استمرار المفاوضات للوصول إليه”.
ووصف نافع اتفاق حسن النوايا الذي تم توقيعه بـ”المهم جدا”، لأنه تم فيه الاتفاق على جدول زمني للوصول إلى السلام ووقف إطلاق النار.
وقال إنه ” يجب ألا نقلل من شأن هذا الاتفاق”، مؤكدا أنه “سيعطي دفعة قوية لإحلال السلام في دارفور”.
مناقشة إطلاق الأسرى
وبشأن جزئية إطلاق الأسرى، التي كانت أكبر نقاط الاختلاف خلال المحادثات، أشار نافع إلى أنه تمت مناقشة هذا الموضوع خلال المحادثات التي استمرت 8 أيام.
وأضاف: “بدلا من كتابة خطاب منفصل حول هذا الموضوع، اتفق الطرفان على ترك الأمر لقطر والوسيط المشترك للوصول إلى جدول زمني لإطلاق سراح الأسرى وفقا لتطور مراحل التفاوض”.
وجاء التوقيع على اتفاق حسن النوايا بعد تمكن الطرفين بمعية الوسطاء من تجاوز عقبة اشتراط الحركة الإفراج عن السجناء الذين لهم صلة بأحداث أم درمان والخرطوم.
وفي 10 مايو/أيار 2008، تمكنت الحكومة السودانية من صد هجوم لحركة “العدل والمساواة” على مدينتي أم درمان والخرطوم، وأسر العشرات من مقاتلي الحركة.
حل سياسي في دارفور
من جانبه، أعلن رئيس حركة “العدل والمساواة” خليل إبراهيم، خلال المؤتمر الصحفي، اعتزام حركته إطلاق سراح عدد من أسرى القوات الحكومية، كبادرة حسن نية من جانب واحد.
وتقدم بالشكر إلى أمير قطر ورئيس الوزراء وزير الخارجية حمد بن جاسم ولكل من أسهم في هذه المفاوضات الطويلة والشاقة.
ورأى أن هذا الاتفاق “برهن على إرادة الحكومة الوطنية وحركة العدل والمساواة من أجل العمل على وضع حل سياسي للتعامل مع جذور النزاع في دارفور”.
وأضاف قائلا: “أحمد الله على هذا الاتفاق الذي جسد حسن النوايا وبناء الثقة بين الطرفين، وأهنئ الشعب السوداني في الداخل والخارج عليه، وأرجو أن تتكلل الجهود للوصول إلى اتفاق نهائي”.
وعن جولة المفاوضات المقبلة، قال إبراهيم: “سنجري مفاوضات شاملة حول جذور المشكلة بنية صادقة من أجل الوصول لحل نهائي وشامل وعادل من شأنه إنهاء هذه الحرب ومنع وقوع حروب أخرى”.
ولفت إلى حرص حركته على أن يشترك في هذه المفاوضات أطراف النزاع وحركات المجتمع المدني كافة إضافة إلى دول الجوار.
التوقيع يجسد قوة الإرادة
باسولي رحب أيضا بتوقيع الاتفاق، وقال إنه “يجسد قوة إرادة الحكومة السودانية وحركة العدل والمساواة القائمة على العمل الجاد والفاعل من أجل الحل السياسي الشامل والتعامل مع جذور النزاع الدارفوري”.
وأكد على أن “الوساطة ستستمر من أجل تعزيز جهود السلام والمصالحة في السودان”، وناشد “كل أطراف الصراع للانضمام إلى المحادثات القادمة”.
وأوضح أنه “سيكثف جهوده مع الجميع كي لا يشعر أحد من أطراف الصراع أنه مهمش في هذه العملية السلمية”، معلنا أن “ممثلي الأطراف سيبقون في الدوحة للتحضير لعملية التشاور المقبلة”.
وتوجه بالشكر لقطر ولكل الأطراف التي ساهمت في هذا الإنجاز دوليا وإقليميا وأفريقيا، وأثنى على وجه الخصوص بجهود رئيس الوزراء وزير الخارجية القطري حمد بن جاسم.
وفي هذا الصدد، أوضح الناطق باسم “العدل والمساواة” أحمد حسين آدم، لوكالة “فرانس برس” أن “كلا من الحكومة والحركة ستبقيان على وفدين فنيين في الدوحة لترتيب مفاوضات الجولة القادمة”.
ومن المتوقع أن يبدأ الطرفان بعد نحو أسبوع مفاوضات إطارية تتعلق بوقف الأنشطة العدائية وبمسألة الأسرى.
وفي سبتمبر/أيلول 2008، أسندت الجامعة العربية والاتحاد الأفريقي لقطر رعاية المفاوضات بشأن دارفور بهدف إنهاء 6 نحو سنوات من النزاع في الإقليم.
وحسب الأمم المتحدة، قتل 200 ألف بدارفور ونزح 2.7 مليون منذ اندلاع الاشتباكات بين “العدل والمساواة” ومتمردين آخرين والحكومة عام 2003، بدعوى إهمال تنمية الإقليم واضطهاد سكانه من غير العرب، وهو ما تنفيه الخرطوم.
وإثر انشقاق عرفته “حركة تحرير السودان” (من أكبر وأقدم الحركات المتمردة في إقليم دارفور) عام 2001، نشأت “حركة العدل والمساواة” على يد أبناء قبيلة الزغاوة وبدأت نشاطها العسكري في فبراير/شباط 2003.
وترأس الحركة خليل إبراهيم مؤلف “الكتاب الأسود” 1999، الذي تضمن تقييما عرقيا للوظائف والمناصب العليا في السودان.
وذهب “الكتاب الأسود” إلى أن مجموعة سكانية صغيرة تسيطر على البلاد، وأن سكان أغلب المناطق -وعلى رأسها إقليم دارفور- مهمشون.
