لقاء بين حمد بن جاسم وصدام يزحزح موقف العراق بقضية المفتشين
اللقاء الذي جمع حمد بن جاسم وصدام حسين في بغداد ساهم في زحزحة موقف العراق بشأن عودة مفتشي أسلحة الدمار الشامل.
بغداد – 28 أغسطس/آب 2002
اختتم وزير الخارجية القطري حمد بن جاسم بن جبر آل ثاني، زيارة إلى العراق، الأربعاء 28 أغسطس/آب 2002، التقى خلالها الرئيس صدام حسين، ضمن مساع الدوحة لمنع غزو أمريكي محتمل لبغداد، وتجنيب المنطقة أي “هزات إضافية”.
وأثمرت الزيارة، التي استمرت 3 أيام، عن ليونة في الموقف العراقي، الذي نقل إلى بن جاسم، رغبته في التعاون مع الأمم المتحدة بشأن قضية عودة مفتشي أسلحة الدمار الشامل، وإجراء مزيد من الحوار لإزالة الشكوك القائمة في هذا الصدد.
موقف قطر من ضرب العراق
ومنعا لأي سوء فهم قد يؤثر سلبا على نجاح مهمته، حرص بن جاسم بمجرد وصوله إلى مطار بغداد الدولي، 26 أغسطس/آب 2002، على توضيح موقف قطر من المسألة العراقية دون لبس.
إذ قال بن جاسم للصحفيين في مطار بغداد: “أمريكا لم تطلب منا حتى الآن أي تسهيلات عسكرية” لضرب العراق، في إشارة إلى استخدام قاعدة “العديد” القطرية كمنطلق محتمل للضربة.
وأوضح ردا على سؤال بهذا الخصوص أن “هذا الكلام يروج له من قبل صحف معينة أو من قبل دولة معينة لأهداف أخرى”، دون أن يسمي تلك الدولة، أو يذكر تفاصيل أخرى بالخصوص.
و”العديد” قاعدة جوية تبعد حوالي 40 كلم جنوبي العاصمة الدوحة، وتستخدمها المقاتلات والقوات الأميركية في إطار التعاون العسكري بين قطر والولايات المتحدة.
وبدأت الولايات المتحدة بعمليات توسيع في القاعدة القطرية قبل ثلاثة أعوام، إلا أن خطوات العمل تسارعت في نوفمبر/تشرين الثاني 2001.

حاجة العراق لحل دبلوماسي
وأكد بن جاسم، أن قطر، التي تترأس حاليا منظمة “المؤتمر الإسلامي”، “تسعى قدر الإمكان إلى تجنيب العراق” أي عمل عسكري أمريكي كي لا تحل بالمنطقة “مَآسٍ جديدة”؛ لأن “ما سيحدث للعراق سيؤثر (سلبا) علينا كلنا في المنطقة”.
وشدد على أن موضوع العراق “يجب أن يحل في إطار الأمم المتحدة، وفي إطار التفاهم الدبلوماسي”.
وأضاف: “نحتاج إلى تفاهم، وإلى أن نصارح بعضنا أكثر؛ بحيث نصل مع أشقائنا في العراق إلى نتيجة تجنبنا أي أعمال عسكرية لا تفيدنا ولا نرغبها”.
وردا على سؤال بشأن الحاجة إلى عقد قمة عربية لمناقشة التهديدات الأمريكية للعراق، تساءل الوزير القطري: “هل نحن مستعدون في العالم العربي لاتخاذ قرارات واضحة وحازمة؟”.
وأشار إلى أنه لا يقصد بذلك “قرارات ضد إسرائيل أو أمريكا مثلما يتكلم الناس ويروجون في الشارع، بل قرارات تفيد الشارع العربي والمواطن العربي، وتسترجع لنا حقوقنا سواء في فلسطين أو في العراق أو في غيرهما”.
وعن ما يمكن أن تقدمه قطر لحل الأزمة بين العراق وأمريكا، قال بن جاسم: “ليس لدينا رسالة ولا شيء معين نقدمه، لكن عندنا آراء نقدمها لإخواننا في العراق، ونسمع ما عندهم أيضا، ونحاول قدر الإمكان أن نتوصل إلى نتائج مرضية”.
وحث وزير الخارجية القطري العراق على التعاون والقبول بقرارات الأمم المتحدة، والنظر في موضوع المفتشين.
جلسة مغلقة مع طارق عزيز
وفي مساء اليوم ذاته (الإثنين 26 أغسطس/آب 2002)، وعشية لقاء حمد بن جاسم وصدام حسين المرتقب، عقد بن جاسم جلسة عمل مغلقة مع نائب رئيس الوزراء العراقي طارق عزيز.
ومع أنه لم ترشح معلومات رسمية عن هذه الجلسة المغلقة، إلا أن صحيفة “البيان” الإماراتية نقلت عن مصدر دبلوماسي عربي، لم تكشف هويته، أن عزيز ناقش مع بن جاسم أفكار قطر تمهيدا لعرضها بصيغتها النهائية على الرئيس صدام.
وفي يوليو/تموز 1991، بدأ فريق من المفتشين الدوليين مهمة لمراقبة وتدمير ما وصفته بـ”أسلحة دمار شامل عراقية”، بموجب قرار مجلس الأمن “687”.
ويطالب القرار الأممي العراق بالكشف عن جميع جوانب برامج أسلحته النووية والكيماوية والبيولوجية والصاروخية، ومساعدة فريق المفتشين في إزالتها، مقابل رفع العقوبات والحصار المفروضين عليه.
وبعد 7 سنوات من العمل، غادر الفريق العراق في ديسمبر/كانون الأول 1998؛ بدعوى “عرقلة مهامه من قبل السلطات العراقية، وعدم السماح لهم بدخول بعض المواقع”.
وفي 17 ديسمبر/كانون الأول 1999، جرى تشكيل فريق تفتيش جديد على أسلحة الدمار الشامل العراقية المزعومة بموجب قرار مجلس الأمن رقم “1284”.
ويرفض العراق حتى الآن تنفيذ هذا القرار، قبل إجراء مباحثات مع الأمم المتحدة تحدد مدى زمني لمهمة الفريق، ورفع الحصار والعقوبات عن بغداد.
لكن مسؤولون عراقيون قالوا إنهم سمحوا للفريق بالتفتيش في كثير من المواقع التي طلبها، واتهموا بعض أعضاءه بأنهم جواسيس لأجهزة استخبارات غربية.
كما أعرب المسؤولون العراقيون عن فقدانهم الأمل في إسقاط العقوبات المفروضة على العراق رغم تعاون بلدهم مع فريق التفتيش.
لقاء حمد بن جاسم وصدام حسين
وفي اليوم الثاني من الزيارة (27 أغسطس/آب 2002)، وكما كان مرتبا، عقد لقاء حمد بن جاسم وصدام حسين، بحضور طارق عزيز ووزير التعليم العالي همام عبد الخالق.
ونقلت وكالة الأنباء العراقية عن الرئيس صدام، قوله، لدى استقباله بن جاسم، إن “العراق نفذ جميع التزاماته التي فرضت عليه بموجب قرارات مجلس الأمن”.
وأضاف الرئيس العراقي أن “مجلس الأمن من جانبه لم ينفذ الالتزامات التي تضمنتها قراراته، وخاصة احترام استقلال العراق وسيادته ورفع الحصار الجائر المفروض عليه”.
وتابع: أن “التهديدات الأمريكية لا تستهدف العراق وحده، وإنما الأمة العربية كلها”.
وشدد على أنه “إذا كانت هناك رغبة حقيقية لإيجاد حل، لا بد أن يستند إلى الشرعية الدولية والقانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة”.
وأوضح أن الحل يجب “ألا يكون مجتزئا، بل يشمل تنفيذ الالتزامات المتقابلة من جميع الأطراف”، في إشارة إلى رفع الحصار والعقوبات عن بلاده.
وكانت وسائل إعلام غربية قد نقلت، مؤخرا، عن مصادر دبلوماسية، أن الرئيس الأمريكي جورج بوش أعطى الأمر إلى وكالة الاستخبارات الأمريكية “سي آي أيه” لوضع خطط تفصيلية لكيفية تنفيذ عملية عسكرية ضد العراق.
رسالة من أمير قطر
جاء لقاء حمد بن جاسم وصدام حسين، على هامش نقله للرئيس العراقي رسالة شفوية من سمو أمير قطر الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، وفق وكالة الأنباء القطرية “قنا”.
وقالت الوكالة الرسمية، إن الرسالة تتعلق بالقضايا والتطورات الراهنة والعلاقات الثنائية، دون ذكر توضيحات أخرى بالخصوص.
فيما قال بن جاسم، قبيل مغادرته بغداد عائدا إلى الدوحة، الأربعاء 28 أغسطس/آب 2002: “لقد استمعنا إلى وجهة نظر إخواننا في العراق، ونقلنا لهم وجهة نظرنا حول هذا الموضوع”.
وأضاف للصحفيين في مطار بغداد: “خرجت بانطباع أن العراق يريد التعاون مع الأمم المتحدة، لكن لديه بعض الشكوك وبعض وجهات النظر، ونعتقد أن حلها يتم بمباحثات جدية بين العراق والأمم المتحدة للوصول إلى نتائج جدية بين الطرفين”.
وتابع: “التقيت الرئيس صدام حسين ونقلت له رسالة صاحب السمو الأمير رئيس المؤتمر الإسلامي (أمير قطر) ونقلت له وجهة نظرنا في التطورات الحالية”.
وأوضح: “نحن في قطر نسعى بكل ما أوتينا من قوة لتجنيب المنطقة أي عمل عسكري، ونأمل من إخواننا في العراق اتخاذ الإجراءات اللازمة في هذا الصدد بخصوص القرارات الدولية”.
أجواء إيجابية للمباحثات
وعقب لقاء حمد بن جاسم وصدام حسين، أبدى الوزير القطري تفاؤله بنتائج مباحثاته في العراق، وقال: “أعتقد أن هناك أجواء إيجابية، لكن يجب استكمالها ودراستها من قبل المختصين سواء في الأمم المتحدة أو في العراق بشكل أعمق”.
وأضاف: “نأمل أن تأتي هذه المباحثات وغيرها من المباحثات بنتائج جيدة تساهم في تهدئة الموضوع”.
وبشأن ما إذا كانت الولايات المتحدة ستصعد من حملتها ضد العراق، قال الوزير القطري: “أنا لا أتحدث باسم الولايات المتحدة، نحن نأمل أن لا يكون هناك عمل عسكري”.
وأضاف: “نأمل أن يكون هناك تفاهم بين العراق والأمم المتحدة بخصوص القرارات الدولية، وأن يتم حل موضوع المفتشين بتفاهم بين العراق والأمم المتحدة، وأن يبدأ المفتشون عملهم في العراق”.
واستدرك: “لكن لدى العراق وجهة نظر لا بد أن تبحث مع الأمم المتحدة بشكل مباشر”.
وفي وقت سابق من أغسطس/آب 2002، رفض وزير الخارجية الأمريكي كولن باول بشكل قاطع دعوة العراق كبير مفتشي الأمم المتحدة لنزع الاسلحة هانز بليكس إلى بغداد لبحث احتمال استئناف عمليات التفتيش.
وقال باول، للصحفيين، إن العراقيين سعوا باستمرار إلى الالتفاف حول التزاماتهم بشأن عمليات التفتيش، وإجراء محادثات جديدة ذات طابع عام ليست ضرورية، معتبرا أن المشكلة لا تتمثل في عمليات التفتيش، بل في إزالة الأسلحة.
فيما مضى مساعده جون بولتون إلى أكثر من ذلك بالقول، في حديث مع هيئة الإذاعة البريطانية “بي بي سي”، إن “هدف الولايات المتحدة هو التوصل الى تغيير النظام العراقي، وأن عودة محتملة لمفتشي الأمم المتحدة إلى البلاد لن تغير شيئا”.
وتتهم واشنطن بغداد باستغلال فترة غياب المفتشين الدوليين، لنحو 4 سنوات، بالعمل على تطوير برنامجها لأسلحة الدمار الشامل بكل فروعه، لكن الأخيرة تنفي ذلك.
مصادر الخبر:
- حمد بن جاسم يزور بغداد الاثنين
- العراق يبحث تسوية عودة المفتشين مع الأمم المتحدة
- قطر تنفي تلقي طلب أميركي بتسهيلات لضرب العراق
- بوش يجدد تحذيراته للعراق
- نقل رسالة من حمد لصدام، وزير الخارجية القطري يؤكد استعداد العراق لاعادة المفتشين
- صدام حسين: العراق نفذ جميع التزاماته
- نائب الرئيس العراقي: بغداد مستعدة لإعطاء أولوية لقضية التفتيش عن الأسلحة
- ابعاد و دلالات زيارة وزير الخارجية القطري الى بغداد
